أنت هنا

قراءة كتاب من العمارة إلى المدينة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
من العمارة إلى المدينة

من العمارة إلى المدينة

كتاب " من العمارة إلى المدينة " ، تأليف رهيف فياض ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2010 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

القسم الأول

ترتيب الأراضي اللبنانية

1- ورشة عمل في السراي الكبير حول: الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية.

2- الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية: تأثير الخطة المقترحة في المجال العام، وفي علاقة الإنسان بمحيطه.

1

ورشة عمل في السراي الكبير حول:الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية

I ـ الدخول إلى السراي الكبير

السبت 18 أيلول 2004، الساعة التاسعة والربع صباحاً.

كان عليَّ في ذلك الصباح، أن أشارك في ورشة عمل حول "الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية"، تعقد في السراي الكبير، برعاية وحضور دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري. لم يسبق لي أن دخلت إلى السراي الكبير، لا قبل الحرب الأهلية ولا بعدها. فأنا أعيش في بيروت منذ نصف قرن تماماً، أتيتها في خريف العام 1954 لأدرس العمارة في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ألبا)، ولا أزال أعيش فيها إلى الآن. تعلمت فيها، وعملت فيها، وعشت فيها كل حياتي بحلوها وبمرها، في أيام السلم وفي أيام الحروب وما أكثرها، وكبرت فيها أيضاً. غادرتها كثيراً لأسباب عديدة، في شبابي أثناء الدراسة وبعدها، وأثناء عملي، لأسبوع، لأسبوعين، أو ربما لشهر، لكنني كنت دائماً أعود إليها. إذ فيها بيتي، ومكاتبي، والجامعة التي أدرِّس فيها. فيها أهلي، وأحبائي، وأصدقائي ومعارفي، فيها كل ما صنع حياتي ويستمر إلى الآن في صنعها. لم أهاجر منها أبداً، ولن أهاجر. نصف قرن من العيش الكامل الغني في بيروت، ولم أدخل مرَّة إلى السراي الكبير.

كانت ساحة السراي الكبير قبل الحرب الأهلية، مفتوحة على الطريق الذي يجاوره، وكانت مجموعات الناس الآتية إلى وزارة الداخلية، تدخل السراي من البوابة الجنوبية المطلة على شارع الجيش. أما مجموعات المستائين، والشاكين، والمتذمرين، والمحتجين، وذوي الحقوق الضائعة، والمتظاهرين، فكانت تدخل الساحة دون أي عائق، حتى تصل إلى البوَّابة الرئيسة في الشمال، فيُطلُّ عليها رئيس الوزراء من فوق الشرفة، مخاطباً، ومهدئاً، ومطمئناً وربما واعداً أيضاً. شاركتُ في الكثير من هذه التجمعات، إلا أنني لم أدخل إلى السراي أبداً. وكان عليَّ ذلك الصباح أن أدخل إليه.

يبدو السراي من ساحة رياض الصلح ومن حديقة شارع المصارف، ضخماً قامعاً. وتذكِّر عمارته بشبابيكها العامودية المتشابهة، المتكررة بلا نهاية بأصله العسكري، رغم رشاقة الأعمدة والأقواس الحجرية التي تزين الشرفات الناتئة في واجهتيه الشرقية والشمالية. إلا أن الشوارع التي تحوط مجمَّع السراي الكبير في جنوبه، في شرقه، وفي شماله، والأسوار المزينة بالحجر الأصفر المشغول، ونوافير المياه، والأشجار الوارفة، والأدراج العريضة الموصلة إلى ساحته من كل الجهات، إن كل ذلك، يجعلك تتوهم أن السراي، مرحِّبٌ مضيافٌ، رغم الجبروت الطالع من ضخامته، ورغم القسوة الملازمة لعمارته.

ولكن ما إن تقترب منه، حتى تدرك أن كل المداخل إليه قد سدَّت بإحكام. فشارع الجيش مسدود في بدايته بالحواجز الحديدية المثلثة الركائز والملونة بالأحمر والأبيض، وبالأسلاك الشائكة، والطريق الشرقي المحاذي لسور الساحة مزروع بالحواجز الحديدية ذاتها، وبالأسلاك الشائكة ذاتها، وفوق كل ذلك بالسلاسل المعدنية الغليظة المعلقة بين حاجز وآخر.

والأدراج العريضة، في الشرق بين الأشجار الوارفة بجانب نصب عمر الأنسي، وفي الشمال بمحاذاة العدلية السابقة مجلس الإنماء والأعمار اليوم، فهي مسدودة بدورها بحشد كثيف من الحواجز الحديدية الملونة. أما الدرج الوسطي الموصل إلى ساحة مجلس الإنماء والأعمار فتقفله في أعلاه بوابة السور.

ماذا تريد أن ترى؟ سألني بالفرنسية سائح كان يحاول مثلي أن يجتاز الحواجز، والسور، والبوابات......! لا شيء لأراه قلت، بل أريد أن أدخل السراي. فأجابني، من هناك، مشيراً إلى الطريق المقطوع والمزروع بالحديد الملون حواجز وسلاسل. كان علي أن اجتاز الحواجز، وأن أقفز فوق السلاسل، لأصل إلى مدخل الساحة المتلطّي بإتقان خلف السور الشرقي، حيث الحاجز الثاني للحرس وللرقابة.

الصفحات