أنت هنا

قراءة كتاب يوم خذلتني الفراشات

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
يوم خذلتني الفراشات

يوم خذلتني الفراشات

كتاب " يوم خذلتني الفراشات " ، تأليف زياد أحمد المحافظة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 2

لطالما فكرت في حالته تلك، قلتُ في نفسي نحنُ نلبس لنُريَ الناسَ وجوهنا الأخرى، لنُخفي تحت زهو ملابسنا أسراراً وأمراضاً، لذا كثيرةٌ هي المراتُ التي سألتُ فيها أمي عن حالته تلك، لِمَ يحرصُ على أناقة لم يعد بحاجة إليها؟ لِمَ ينتقي كلّ يوم بذلة جديدة رغم أنه لا يخرجُ البتة! إذ لم أرهُ يستقبلُ أحداً في البيت منذُ مدة طويلة.

كان ردها على سؤالي المتكرر ذاك، بأن تلك قد أصبحت اليومَ عادةً من عاداته، لا يستطيعُ ولا يريدُ أن يغيرها، كانت تضيفُ أحياناً إلى جوابها ذاك، كلمات لم تكن مفهومة لي حينئذ، فتقول: "اعتادَ أن يكونَ مستعداً لكل شيء... قد يأتون بأية لحظة، وهو لا يحبُّ أن يراهُ أحدٌ بغير تلك الهيئة".

توجهتُ نحوه بسرعة لأُريه قفصي الصغير وفراشاتي الملونة، كنتُ أحملُ القفص والفراشات القلقة بداخله، وأتقدمُ نحوه بثقة وفرح. قابلني يومئذ ببرود؛ تأمل الفراشات طويلاً ثم خلعَ عن عينيه نظارة القراءة ووضعها جانباً على الطاولة، ثم نظر إلي بطريقة لم أفهمها.

لم يكن مزاجهُ سيّئاً ذاك النهار، وفي الوقت ذاته لم يكن ليطيقَ حديث طفل عن فراشات التقطها ببراعة. أخبرتهُ كيفَ تتبعتُ الفراشات واحدةً تلو الأخرى، كيف سُقتها للقفص، رحتُ أشرحُ له بالتفصيل، كيف تمكنتُ من القبض على ثلاث فراشات في خلال ثلاث محاولات فقط، كيف وكيف وكيف.

لم يُعلّق يومئذ كثيراً، تركني حتى انتهيت من فرحتي، ثم تناولَ القفصَ من يدي وقال كلمتين ما زلت أحفظهما حتى اليوم: "دع الفراشات وشأنها". ثم فتحَ باب القفص للفراشات، وتركها تطير.

توسلتُ إليه، أمسكتُ يده.. رجوتهُ وبكيتُ بحرقة طفل، لكنه لم يستجب، حرّكَ القفصَ بسرعة ثم أتاح للفراشات فرصة الهروب، وأنا أكادُ أختنقُ بدموعي وخيبتي. وقفتُ مذهولاً لا أعرف ماذا أقول، أو ماذا يمكن لطفل مثلي أن يفعلَ في موقف كهذا.

رفيفُ أجنحة الفراشات وهي تحلّق هرباً، أيقظَ في داخلي أشياء كثيرة لم أكن أعرف أين تختبئ.

طارت الفراشاتُ وكلانا يتفرج عليها، هو يفكرُ في أشياء وأنا أفكرُ في أخرى؛ هو يرافقُ الفراشات ليخرج معها من خيبة عرفت عنها لاحقاً، وأنا رحتُ أحلبُ أولى خيباتي. كنتُ أودُّ أن أصرخَ في وجهه، أن أركضَ خلفَ فراشاتي المذعورة حتى ولو بدموعي، لكني لم أفعل شيئاً. نظرت إليه بأسى، ثم تركتهُ وانسحبتُ لأجلس مكسوراً على عتبات البيت.

فرّت الفراشاتُ مسرعةً. لكن منذُ ذاكَ اليوم، أقسمتُ ألّا أدعَ فراشةً تهربُ من أمامي.

أذكرُ تلك الحادثة على الدوام، وأذكرُ أيضاً أنني كتبتُ له بعد ذلك بسنوات: "أردتَ أن تفعل خيراً مع الفراشات فأطلقتها، لكنكَ حبستَ طفلاً صغيراً في داخلي".

آه ما أقسى ذاك النهار، يومئذ نَمَتْ في داخلي أشياءُ كثيرة، وفي الوقت ذاته تكسرت أخرى. خرجتُ من البيت والغصة تتيبّسُ في حلقي، همتُ على وجهي في أزقة الحي وشوارعه، حتى وجدت نفسي على باب المكتبة. دخلت دون أن أشعر، وفي داخلي حالة انسلاخ لم أستطع إلى اليوم استيعابها.

مضيتُ أتنقلُ بين رفوف الكتب، لعلي أتخلص من الضيق الذي اعتراني، رحت أبحثُ عن شيء يستهويني، ربما لونُ كتاب أو حجمه أو حتى جاذبية اللوحة على غلافه، رحتُ أتنقلُ ببطء وسط هدوء وتركيز من يلاحقون الكلمات بعيونهم.

حين دخلتُ آخرَ رفٍّ من رفوف المكتبة، ظهر لي حينئذ من عرفتُ أنه منذر الفاتح.

كان يضعُ أمامه كومة كتب متنوعة ينظرُ إليها باستغراق، وجدتهُ صبياً يشبهني في العمر والحجم؛ نحيل الجسم، أبيض البشرة، يفيضُ حركةً وحيوية، حادّ النظرات، يسكنُ عينيه غموضٌ لا تفسيرَ له. حين رآني أسير بغير هدى وأقتربُ نحوه، رفعَ رأسه إلى الأعلى وانتظر حتى اقتربت أكثر، ثم بادرني قائلاً:

- هل تبحثُ عن شيء محدد؟ يمكن لي أن أساعدك إن أردت.

ترددتُ قليلاً من سؤاله المفاجئ، لم أتوقع مباغتةً كتلك. فأجبته:

- شكراً، أنا لا أبحثُ عن شيء بالتحديد.

عادَ وخلط بيده اليسرى الكتبَ التي كانت أمامه، ثم سألني حين رآني على وقفتي تلك، كأني أنتظرُ المزيدَ من الحديث:

- هل تأتي إلى هنا باستمرار؟ هذه أولُ مرة أراك هنا، هل أنت من هذا الحي؟ يبدو وجهك مألوفاً.

الصفحات