أنت هنا

قراءة كتاب يوم خذلتني الفراشات

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
يوم خذلتني الفراشات

يوم خذلتني الفراشات

كتاب " يوم خذلتني الفراشات " ، تأليف زياد أحمد المحافظة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 10

- لكني لا أريد أن أصبح كاتباً، أريد عضوية حزبكم.

- وإن لم يتح لك ذلك؟

- ستتذوقون عندئذ للشاي والقهوة طعماً آخر. لقد قلت ما لديك، لكن دعني أنا أيضاً أقول ما عندي، يبدو أنني أخطأت في الحديث معك، هنالك كثيرون ممن يقدرون معنى ما طرحته عليك الآن، يتمنون زيارة واحدة مني. على كل حال سألجأ إلى أبواب أخرى وسترى من سيكون له دور في الغد.. سترى كيف أن الشاي والقهوة يمكن لهما ببساطة أن يصنعا سياسة، ذات نكهة أيضاً.

خرج السكّري خميس وقد تملكهُ الغضب، لم ينس ذلك اليوم قط، شعر بأن صفعة أبي قد تركت أثرها في وجهه المكتنـز، بالمقابل كانت كلمات التهديد المبطن التي قالها السكّري خميس لأبي مؤثرة جداً، ظلت على الدوام تحفر في رأسه، خصوصاً بعد أن تبين له أن السكّري خميس قد عنى ما قال، وكان له ما أراد.

بعد مدة أصبح الحزب مصدر إزعاج للسلطة، كانت القضايا التي يدافع عنها تجد رواجاً كبيراً في أوساط الناس، وتمكن أبي بما لديه من بلاغة وأساليب تعبيرية من تأجيج عواطف الشارع وتحريكه باتجاهات شتى. وقتئذ بدأت بوادر الاحتقان والصدام وشرارات الاحتكاك تلوح في الأفق، ثم جاءت الخاتمة المحزنة لهذه المغامرة السياسية كما سماها ذات يوم؛ وصل الأمر بين الحزب والسلطة إلى طريق مسدود. لذا كان لابد حينئذ من الوصول إلى حل يرضي طرفاً واحداً.

والحلول دوماً لا تأتي إلا على حساب الضعفاء.

استطاعت أجهزة السلطة الوصول إلى أكرم عالي الراس بسهولة، قايضته بمنصب كبير مقابل تذويب الحزب وإنهائه، لم يكن أكرم عالي الراس يحتاج إلى ضغوط ليرضى بذلك، ربما هذا ما كان يطمح إليه منذ البداية، وتلك الإغراءات التي قدمتها أجهزة السلطة لم تكن في يوم من الأيام بعيدةً عن تفكيره، لم تكن تعنيه تلك التضحيات التي قدمها كثيرون كي يرتقوا بالحزب وبآمال الناس وتطلعاتهم إلى الأعلى.

شيئاً فشيئاً، أدرك أبي ومن معه أنهم لم يكونوا أكثر من بضاعة تاجر بها متسلقون لتحقيق مكاسب شخصية، وأن سعي السلطة للتحالف مع أطراف أخرى، والطريقة التي دبروا فيها أمر تفتيت الحزب والانقضاض عليه كانت أقوى منهم جميعاً. فقد عمل أكرم عالي الراس بمكر للانحراف بالحزب عن مساره الأساسي؛ زجّ بعناصر فاسدة في مناصب رفيعة، عمل على تجميد الأعضاء الفاعلين وإزاحتهم عن مركز القرار، جعل الحزب بعد أن أصبح له تأثير كبير، وسيلة للضغط على السلطة لتحقيق مكاسب شخصية، ملأ الحزب بأعضاء لم يكونوا في الحقيقة أكثر من مجرد شخصيات فارغة لا وزن لها ولا حتى تأثير.

لم يعد الرهان على القيادات يجدي نفعاً، حين وصلت الأمور داخل الحزب إلى ما وصلت إليه، لم يرض أبي أن يقف متفرجاً، اصطدم مع أكرم عالي الراس في سابقة أصبحت حديث الشارع، قرّعه أمام الجميع بعنف، ثم كتب مقالاً لاذعاً شتمه فيه وفضح علاقته بالسلطة، وانتقد السلطة وتحالفاتها، وكذلك الأوضاع السياسية والحريات. بثّ في مقالته تلك شكواه من الفساد وسياسة التخبط العشوائية التي تحكم مصير الناس وتتحكم في أقدارهم، هاجم تحكّم رأس المال في صناعة القرار، وعلاقة البرجوازية بالسلطة التي أفرغت الدولة من قيمتها الحقيقية.

لذا كان من الطبيعي أن تكون ردّة فعلهم بحجم غضبته تلك. أخذوه في تلك الليلة التي لم أستطع يوماً نسيانها. أخذوه وحين عاد، كان كبقايا إنسان.

بعد أن تعافى قليلاً مما أصابه، زاره عددٌ من أصدقائه، وقد شاءت الصدفة أن أكون معهم في تلك الجلسة. لست أذكر عددهم بالتحديد. جاءوا في المساء وظلوا على الجلسة ذاتها ينظر بعضهم في وجوه بعض، لم تكن تلك واحدة من جلساتهم الصاخبة، بل كان صمتهم حاراً، ولم يكن ليزحزحه عن صدورهم، سوى قدح ولّاعات كانوا يشعلون بها سجائرهم، وما تبقى من ماضيهم.

أمضوا معظم الوقت صامتين، ثم انسحبوا في آخر الليل مكسورين، كأسرى هزيمة، كنُسّاك لم تُستجب لهم صلاة، مضوا بعد أن أفرغَ كل واحد منهم بضعَ كلمات، وقليلاً من الأوجاع والدموع وأشياءَ أخرى.

بعد تلك الحادثة، اعتزل أبي كل شيء: العمل السياسي والعمل العام وحتى الناس، اعتكفَ في المنزل للقراءة والتأمل. قال لي ذات مرة بقهر: "خسرتُ حُلمي وغدي، رهاني كان خاسراً، لا تظن أنك حين تخسر، تربح بالمقابل شيئاً آخر... المرءُ حينَ يخسر، يخسرُ كلّ شيء".

لم يكن يسمح سوى لعدد قليل من أصدقائه بزيارته والتواصل معه، كأنه يريد أن يعفي حتى أصدقاءه من غضب السلطة إن هم تواصلوا معه. أذكر ما أفضى لي به مرةً بعدما رجوته أن يحكي لي المزيد عما جرى معه، أو ليصف لي تلك المدة التي قضاها غائباً. قال: "في بلادنا هذه، لكي تصبح الأقوى والأثرى والأبرز، عليك ببساطة أن تكون الأسوأ. مفارقة عجيبة لم أعِ مغزاها إلى اليوم، كيفَ تعيش في وطن يكونُ فيه الانحدار، طريقكَ الأمثل للصعود!".

لم يكن يغير طقوسه كثيراً، ظل وفياً لعاداته القديمة. بعد مدة أصبح أكثر انعزالاً ووحدة، كنت أراه يجلس مع أمي فترات طويلة، ربما يحاول أن يعوضها ولو بالكلمات عن الحياة التي لم يستطع أن يوفرها لها.

الصفحات