أنت هنا

قراءة كتاب سكينة إبنة الناطور

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
سكينة إبنة الناطور

سكينة إبنة الناطور

كتاب " سكينة إبنة الناطور " ، تأليف سلمى حداد ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 4

ارتبكت سكينة قليلاً لكنها ما لبثت أن أجابت بفطرتها القوية وذكائها العفوي:

- لا أظن أن جمال القصيدة يعتمد كثيراً على درجة تعقيد اللغة بل قد يكون العكس صحيحاً في كثير من الأحيان. فالقصيدة كالمرأة الجميلة تماماً كلما ازدادت تبهرجاً فقدت عفويتها وانخفض معدل الطفولة في عينيها.

نالت الإجابة إعجاب الآنسة أحلام فأغدقت على سكينة الثناء وتنبأت لها بمستقبل أدبي باهر إذا ما ثابرت على نهجها هذا وانتقلت لتوجه إلى طالبات أخريات أسئلة لم تسمع سكينة منها كلمة واحدة. فقد كانت ترفل في دفء ثناء الآنسة أحلام لها وتعيده في عقلها مراراً وتكراراً مطلقة العنان لأحلامها بالمستقبل الباهر الذي وعدتها به. انتهت حصة الشعر ولحقتها حصة الإعراب فنالت فيها سكينة من المديح ما نالته في الشعر وحلقت أسهمها عالياً عند الآنسة أحلام التي بدأت تطور نبوءتها فيما يتعلق بمستقبل سكينة من مجرد احتمال إلى شبه يقين.

انقسمت الطالبات بمشاعرهن تجاه سكينة والثناء الذي تناله في جميع المواد ولاسيما في مادة اللغة العربية فكان منهن المهنّئات المحبّات والحاسدات الحاقدات والأنانيّات اللامباليات. خرجت الطالبات لقضاء الفرصة الصباحية في باحة المدرسة وشراء بعض سندويشات الفلافل من كافتيريا أم مرزوق، التي كانت تحتوي أيضاً على الشاي والكولا وبعض أنواع البسكويت الرخيص، فكانت هديل أول من تحدثت في الموضوع. إذ هنأت صديقتها بحرارة وقبلت وجنتيها متمنية لها النجاح في حياتها، فاقتربت ليلى منها بالمشاعر نفسها وتجاهلت مرام الموضوع برمته وكأنها لم تسمع كلمة مما دار من حديث في الصف أو في باحة المدرسة، فقد كانت تسريحة شعرها شغلها الشاغل فضلاً عن أحمر الشفاه الشفاف الذي كانت لا تتوقف عن متابعة تطوراته على شفتيها في المرآة الصغيرة التي تخفيها بصحبة المشط، عن أعين مدربة الفتوة الثاقبة، في جيب حقيبتها. وكان المنديل المختبئ في جيب لباسها المدرسي في حالة تأهب قصوى لمسح أحمر الشفاه بالسرعة الكلية إذا ما مرّت مدربة الفتوة اعتماد. كما كانت عقدة الشعر المطاطية حول معصمها تحت كُمّ سترتها لجمع شعرها الأشقر المسترسل على كتفيها في حالات الطوارئ المشابهة. أما ماجدة فقد اقتربت بتثاقل من سكينة وصافحتها مهنئة ببرود شديد، وعندما سحبت يدها من يد سكينة وضعتها على أنفها صارخة بازدراء قبل أن تدير ظهرها لتنخرط في حديث مع صديقة لها في الشعبة الأولى علمي:

- أوف! ما هذه الرائحة يا سكينة؟ هل تستحمين بالمازوت يابنة الناطور؟

جفت الدماء في عروق سكينة وتحول وجهها من أحمر وردي إلى أزرق ممتقع دون أن تتفوه بكلمة واحدة. لقد عقدت الإهانة لسانها وحولتها بقسوة الزلزال من ملكة تتقبل التهاني في يوم تتويجها إلى عنزة جرباء لا تملك حتى أن تدافع عن نفسها. كانت هذه أوّل إهانة مباشرة تمسّ كرامة سكينة في عمل والدها. ولما كان الموقف أبشع بكثير من أن يُعلّق عليه، تظاهرت كلّ من هديل وليلى بعدم سماع ما قيل. أما مرام فقد كانت لا تزال تحلق في عالمها الخاص وتتمايل بدلال بشعرها الطويل وعيناها ترصدان بنظرات منظّمة خالية من البراءة شاباً أشقر الرأس في عقده الثالث يجلس كل يوم ساعات طويلة على شرفة منزله في الطابق الثاني قبالة باحة المدرسة ليراقب الطالبات. وكانت كل طالبة تهتم بشأنه تحاول جاهدة أن تلفت نظره بحركات مدروسة كي تفوز بقلبه. أما الطالبات غير المهتمات فقد احتقرنه احتقاراً شديداً وكن دائماً ينظرن إليه بعين الريبة متسائلات عن طبيعة عمله التي تسمح له بالجلوس ساعات طويلة يومياً لمراقبة طالبات يكاد لا يرى منهن من موقعه أكثر من ظلالهن.

رن جرس العودة إلى الصف فاصطفت البنات في باحة المدرسة ودخلن بانتظام واحدة تلو الأخرى إلى صفوفهن. كانت سكينة تمشي بتثاقل غير معهود. لقد هدّها تعليق ماجدة أكثر من أي معركة خاضتها مع جاسم. فمعاركها مع جاسم جسدية تنتهي بكدمات تبدأ باللون الأسود المزرق وتنتهي بالأحمر البنفسجيّ مروراً بالأحمر الورديّ. أما معركتها مع ماجدة فهي في الواقع معركة مع الزمن بكل ألوانه.. معركة بدأت منذ اللحظة الأولى لولادتها ولا تعرف متى تنتهي.

كانت الحصة التالية حصة الفلسفة التي قامت بتدريسها الآنسة سهاد الرائعة إلى أن حصلت على إجازة أمومة ليحل محلها الأستاذ حسام، ملك الملل بدون منازع! لقد اكتشفت الطالبات نقاط ضعفه منذ الأسبوع الأول وبدأن يتعاملن معه على هذا الأساس. فهو شديد الخجل، ضعيف الثقة بالنفس، غير قيادي، وغير متمكن من معلوماته، والمادة شديدة الصعوبة والطالبات يشتغلن بحسام. يا مبدل غزلانك بقرود! الأستاذ حسام التَّشْتُوش يحل محل الآنسة سهاد المتمكنة من معلوماتها والتي تتمتع بشخصية قيادية قوية تؤهلها للسيطرة على الصف سيطرة كاملة. لقد كانت الطالبات يسرحن ويمرحن في حصته: إذن مفاجئ للخروج إلى الحمام بالسرعة القصوى نظراً إلى سوء الحالة، إذن مفاجئ للخروج إلى الباحة لأمر ضروري لا يحتمل التأجيل، أسئلة تعجيزية، ضحكات شبه مكتومة، سندويشات فلافل ولبنة وزيت وزعتر وكرمنتينا يتم تداولها خفية لتوزّع في الأدراج ويتم تناولها على مراحل متعددة تحت المقاعد أثناء الدرس، وحسام يتابع الدرس بالوتيرة المملة نفسها و بنغمة الصوت ذاتها.

لم تكن سكينة وهديل وليلى يوماً جزءاً من هذه الملهاة بالرغم من أنهن لم يكن ليمنعن أنفسهن من الضحك بشدّة عند حدوث أمر فكاهي، وكانت هذه المشاركة الوحيدة التي يقمن فيها بأعمال الشغب. أما اليوم فلم تكن سكينة بمزاج يسمح لها حتى بهذا النوع من المشاركة. لقد عكرت ماجدة مزاجها، الله يعكر عليها، قالت في سرها.

جاء دور حصة الجغرافيا ومزاج سكينة لا يزال معتكراً. الآنسة إحسان مدرسة الجغرافيا عديمة الضمير. تدخل الصف والكتاب في يدها، تجلس إلى الطاولة، تفتحه وتبدأ القراءة فلا تشرح، ولا تفسر، ولا تتوقف عند نقطة معقدة، ولا تحضر الخرائط. كان دورها بكل بساطة: قارئة بصوت عال. ولطالما تساءلت الطالبات ما الجدوى من وجودهن في الصف معها؟ لماذا لا يقرأن الدرس في بيوتهن كما تقرأه هي والسلام؟ لا جواب. كان الفرق بينها وبين الآنسة مايا مدرسة التاريخ شاسعاً. فالآنسة مايا مدرسة من الطراز الأول تقوم بعملها على أكمل وجه ولا تخرج من الصف قبل أن تتأكد أن جميع الطالبات قد استوعبن كل كلمة تفوهت بها. عيبها الوحيد أنها كانت جافة ومتباعدة تتعمد رسم مسافات هائلة بينها وبين طالباتها فكانت الطالبات يتهيبن الاقتراب منها لأي سبب كان.

انتهى الدوام في ذلك اليوم الكبيس وانطلقت الطالبات كالعصافير المحررة من أقفاصها متجهات إلى بيوتهن، كل منهن على طريقتها الخاصة. فمرام وأمثالها كن يخرجن من بوابة المدرسة ليحررن شعرهن من القيود ويزين شفاههن بالألوان ويأخذن القليل من أحمر الشفاه ليدهن به رؤوس خدودهن ويمشين كالغزلان على الطرقات دون حسيب أو رقيب، لا مدربة الفتوة اعتماد ولا المديرة هناء ولا أي امرأة من جواهر المستقبل لها سطوة عليهن خارج أسوار المدرسة. أما الطالبات أمثال هديل وليلى فكن يتمتعن بمساحة من الحرية العائلية تؤهلهن لربع ساعة إضافية بعد انتهاء الدوام يقضينها في تجاذب أطراف الحديث معاً أثناء تناول كأس من العصير الطازج في دكان عادل، شاب على نياته خصه والده قبل أن يموت بهذا الدكان بعد أن اقتنع أن إمكاناته العقلية لن تكون سنداً له في المستقبل فقبل عادل الهِبةَ فَرِحاً وأحسن إدارتها وتزوج سيدة مستورة وأنجب منها ولدين. أما سكينة وأمثالها فقد كن مجبرات على العودة إلى منازلهن فور انتهاء الدوام، وأي تأخير ملحوظ يستدعي عقوبات ترقى إلى الضرب من فراعنة المنازل: جاسم وأمثاله.

الصفحات