كتاب "الفتاوى الكبرى" - الجزء السادس عشر، يضم بأجزاءه فتاوى الإمام ابن تيمية في أغلب المسائل الشرعية، حيث يجد فيه المسلم ضالته في الإجابة على كثير من التساؤلات التي تعترضه في أموره الدينية والدنيوية، والتي من خلال هذه الفتاوى يسير على هدي الكتاب والسنة، واج
أنت هنا
قراءة كتاب الفتاوى الكبرى الجزء السادس عشر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وَمَنْ حَكَى عَنْ أَحَدٍ مِنْ
أَهْلِ السُّنَّةِ ، أَنَّهُ قَاسَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ فَهُوَ إمَّا كَاذِبٌ أَوْ مُخْطِئٌ ، وَإِنْ أَرَادَ الْحَالِفُ بِالظَّاهِرِ مَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي فِطَرِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ ظُهُورِ الْأَهْوَاءِ وَتَشَتُّتِ الْآرَاءِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا أَنَّ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي سَائِرِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ، كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَى .
وَ { مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } وَ { يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إذَا أُطْلِقَتْ عَلَيْنَا أَنْ تَكُونَ أَعْرَاضًا وَأَجْسَامًا لِأَنَّ ذَوَاتِنَا كَذَلِكَ وَلَيْسَ ظَاهِرُهَا إذَا أُطْلِقَتْ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلَّا مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَيُنَاسِبُ نَفْسَهُ .
فَكَمَا أَنَّ لَفْظَ ذَاتٍ وَوُجُودٍ وَحَقِيقَةٍ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى عِبَادِهِ وَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْإِطْلَاقَيْنِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ ظَاهِرُهُ فِي حَقِّ اللَّه تَعَالَى مُسَاوِيًا لِظَاهِرِهِ فِي حَقِّنَا وَلَا مُشَارِكًا لَهُ فِيمَا يُوجِبُ نَقْصًا وَحُدُوثًا سَوَاءٌ جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُتَوَاطِئَةً أَوْ مُشْتَرِكَةً أَوْ مُشَكِّكَةً ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ : { أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ } وَ { إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ } { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } الْبَابُ فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ ، وَكَانَ قُدَمَاءُ الْجَهْمِيَّةِ يُنْكِرُونَ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ فِينَا أَعْرَاضٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَأَجْسَامٌ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ ، وَحُدَثَاؤُهُمْ أَقَرُّوا بِكَثِيرٍ مِنْ الصِّفَاتِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَأَنْكَرُوا بَعْضَهَا وَالصِّفَاتُ الَّتِي هِيَ فِينَا أَجْسَامٌ هِيَ فِينَا أَعْرَاضٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ فِينَا أَجْسَامٌ كَالْيَدِ وَأَمَّا السَّلَفِيَّةُ فَعَلَى مَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ
وَأَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا : مَذْهَبُ السَّلَفِ إجْرَاءُ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا فَلَا نَقُولُ إنَّ مَعْنَى الْيَدِ الْقُدْرَةُ وَلَا إنَّ مَعْنَى السَّمْعِ الْعِلْمُ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ يُحْتَذَى فِيهِ حَذْوُهُ وَيُتْبَعُ فِيهِ مِثَالُهُ فَإِذَا كَانَ إثْبَاتُ الذَّاتِ إثْبَاتَ وُجُودٍ لَا إثْبَاتَ كَيْفِيَّةٍ فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتُ كَيْفِيَّةٍ ، فَقَدْ أَخْبَرَك الْخَطَّابِيُّ وَالْخَطِيبُ وَهُمَا إمَامَانِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُتَّفَقٌ عَلَى عِلْمِهِمَا بِالنَّقْلِ وَعَلِمَ الْخَطَّابِيُّ بِالْمَعَانِي أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ إجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنِّي قَدْ بَالَغْتُ فِي الْبَحْثِ عَنْ مَذَاهِبِ السَّلَفِ فَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ خَالَفَ ذَلِكَ .
وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ ، فَيَجِبُ لِمَنْ أَحْسَنَ بِهِ الظَّنَّ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ الظَّاهِرُ الَّذِي يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ لَا بِالْخَالِقِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُرَادٍ ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُرَادٌ فَهُوَ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ كَافِرٌ .


