كتاب " الانتخابات ضمانات حريتها ونزاهتها " ، تاليف سعد مظلوم العبدلي ، والذي صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب الانتخابات ضمانات حريتها ونزاهتها
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الانتخابات ضمانات حريتها ونزاهتها
المطلب الأول: التكييف القانوني للانتخاب
اختلف الفقهاء حول الطبيعة القانونية للانتخاب، فظهرت الاتجاهات المتعددة في تحديد هذه الطبيعة، فهناك من يرى أن الانتخاب هو حق من الحقوق الفردية، وهناك من يرى أن الانتخاب يعتبر وظيفة، وهناك من جمع بين الاتجاهين معاًَ وقرر بأن الانتخاب حق ووظيفة، وأخيراً ذهب اتجاه إلى اعتبار أن الانتخاب هو عبارة عن سلطة قانونية([40]).
وقبل الخوض في هذا الموضوع، ارتأينا التطرق ولو بشكل موجز إلى نظريتين كان لهما الأثر الكبير على طبيعة التكييف القانوني لحق التصويت وعلى بعض العناصر الانتخابية الأخرى مثل ( هيئة الناخبين، وضع النائب في البرلمان،... )، ألا وهما نظريتي سيادة الأمة، ونظرية سيادة الشعب، والنتائج المترتبة على كل منهما، وعلاقة ذلك بموضوع البحث.
أولا : نظرية سيادة الأمة :
تذهب هذه النظرية إلى أن السيادة ملك للأمة وحدها ـ كشخص معنوي متميز عن مجموع الأفراد الذين تتألف منهم ـ فالأمة ليست هي فقط مجموع المواطنين الذين يعيشون في زمن معين على أرض الدولة، بل أنها تشمل في الوقت نفسه الماضي والحاضر والمستقبل، وهي لا تتكون من الأحياء فقط بل ومن الأموات أيضاً([41])، فتكون الســيادة في هذا الوصف غير قابلة للتـجزئة، ولا يجوز للأمة التصرف في سيادتها بالتنازل عنها([42]).
النتائج المترتبة على هذه النظرية :
1 : الانتخاب :
يُعد الانتخاب ـ وفقا لهذه النظرية ـ وظيفة وليس حقا، باعتبار أن الناخب يقوم بالتصويت خدمة للأمة صاحبة السيادة، ويؤدي هذا المفهوم إلى الأخذ بمبدأ الاقتراع المقيد، على أساس ان الأمة حرة في تحديد شروط هذه الوظيفة.
2 : علاقة النائب بالناخبين :
وفقاً لمفهوم هذه النظرية، فان النائب يعتبر ممثلاً للأمة كلها، وليس ممثلا لناخبي دائرته فقط، فيتصرف وفقاً لمصلحة الأمة، لا لمصلحة دائرته([43]).
3 : هيئة الناخبين :
إن ممثلي الشعب المُنتخبين ليسوا وكلاء عمن انتخبهم، لأن من انتخبوهم ليسوا أصحاب السيادة أو مصدرها، لذلك فليس من المحتم النزول عند إرادة أغلبية الناخبين دائماً، لأن مثل هذه الإرادة قد لا تُمثل إلا نزعات أو نزوات عارضة، دون الأخذ بنظر الاعتبار مصالح الأجيال القادمة([44]).
ثانيا : نظرية سيادة الشعب :
تذهب هذه النظرية إلى أن السيادة ملك لمجموع الأفراد على أرض الدولة، وسيادة الشعب ما هي إلا مجموع الأجزاء من السيادة التي تخص كل فرد من أبناء هذا الشعب، وكل فرد يحصل على جزء من السيادة، فإذا كان مجموع أفراد الشعب (1000 ) نسمة، فإن لكل فرد ( 1/1000 ) من السيادة([45]).
النتائج المترتبة على هذه النظرية :
1 : الانتخاب :
وفقاً لمفهوم هذه النظرية يُعد الانتخاب حقاً لكل شخص طالما أنه يمتلك جزءاً من السيادة، وبالتالي يؤدي ذلك إلى تقرير الاقتراع العام([46]).
2 : علاقة النائب بالناخبين :
يكون النائب ممثلاً لمجموع أجزاء من السيادة تخص المواطنين في دائرته الانتخابية فقط، أي ان النائب يمثل دائرته ولا يمثل الأمة كلها، ويترتب على ذلك بقاء النائب أسير دائرته الانتخابية([47]).
3 : هيئة الناخبين :
لا بد ـ وفقا لهذه النظرية ـ من الأخذ بما تراه الأغلبية من هيئة الناخبين، لأنه يتم النظر إلى التصرف في وقت معين، وبالنسبة لوضع الشعب في ذلك الوقت دون الدخول في اعتبارات الأجيال القادمة والظروف المستقبلية([48]).
ولدراسة النظريات التي قيلت في التكييف القانوني للانتخاب، قُسم هذا المطلب إلى أربعة فروع، خصص الفرع الأول لمناقشة الرأي القائل بان الانتخاب هو حق شخصي، أما الفرع الثاني فقد خصص لمناقشة الرأي القائل بان الانتخاب هو وظيفة اجتماعية، أما المزج بين الحق والوظيفة في تكييف الانتخاب فقد خصص له الفرع الثالث، أما الفرع الرابع والأخير فقد خصص للرأي الذي يذهب إلى القول بان الانتخاب هو سلطة قانونية.
الفرع الأول: الانتخاب حق شخصي
ذهب بعض الفقهاء في القرن الثامن عشر إلى القول بأن الانتخاب حق شخصي، ووجوب الاعتراف بهذا الحق للأفراد بوصفه حقا طبيعيا لصيقا بشخصيتهم وآدميتهم، ومن هؤلاء الفقهاء ( روسو وروبسبير وبثيون )، ويثبت حق الانتخاب على رأي هؤلاء لكل فرد على أرض الدولة له صفة المواطن على أساس المساواة بين المواطنين، ويُعد حقاً طبيعياً لا يمكن انتزاعه من أي فرد، ومادام كذلك فإنه يكون أسبق على وجود المشرع ولا ترقى إليه سلطة التشريع المنظمة للانتخاب([49]).
النتائج المترتبة على كون الانتخاب حقاً شخصياً :
1 : تقرير حق الاقتراع العام([50])، وعدم جواز تدخل المشرع لحرمان الأفراد من ممارسة حقهم في الانتخاب أو تقييـد هذا الحق على أسـاس طبقي أو مالي أو علمي، إلا بصورة استثنائية ومحدودة([51]).
2 : اعتماد مبدأ التصويت الاختياري، فما دام الانتخاب حقاً فلا يجوز عندها إجبار المواطنين على ممارسته، كما لا يجوز فرض عقوبة كجزاء للامتناع عن التصويت، ومعظم دول العالم تنحى هذا المنحى، كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والعراق([52]).
3 : يترتب على اعتبار الانتخاب حقاً شخصيا، أن تسري عليه جميع أعمال التصرف كالبيع والهبة والتنازل([53]).
الفرع الثاني: الانتخاب وظيفة اجتماعية
يرى أنصار هذا الاتجاه ان الانتخاب وظيفة اجتماعية، فبسبب تبنى زعماء الثورة الفرنسية لمبدأ سيادة الأمة([54])، والذي ـ وكما سبق عرضه ـ يعتبر السيادة للأمة كمجموع قانوني متميز عن الأفراد المكونين لها، ترتب على ذلك ان سلطة الانتخاب لا تمنح للأفراد لأنهم أصحاب سيادة، ولكن بصفتهم ملزمين باختيار ممثلين عن الأمة ليعبروا عن سيادتها([55])، وهم إذ يمارسون عملية الاختيار هذه، لا يمارسون حقاً شخصيا لهم، وإنما يمارسون وظيفة، وبالتالي لا تُعطى هذه الوظيفة إلا للأجدر والأكثر كفاءة، فينحصر ذلك في فئات قليلة من الناس، ولابد عندها من توافر شروط معينة في الناخبين لضمان حسن أداءهم لوظيفتهم([56]).
وقد لاقى هذا الرأي قبولاً كبيراً في بداية عهد الثورة الفرنسية حيث أيدته الجمعية التأسيسية في عام 1791 وتضمنه الدستور الصادر في العام نفسه([57])، وكذلك نظام الانتخاب الذي تم إقراره حين ذاك، لا بل ذهب بعض الكتاب إلى عد المشاركة في العملية السياسية واجباً وطنياً، شأنها شان الخدمة العسكرية، وما يقتضيه ذلك من تشديد عقوبة التخلف عن المشاركة في التصويت، كما هو الحال بالنسبة لعقوبة التخلف عن الاستدعاء للخدمة العسكرية([58]).
النتائج المترتبة على اعتبار الانتخاب وظيفة :
ترتب على الأخذ بهذا الرأي نتائج مغايرة للقول بأن الانتخاب حق شخصي، منها :
1 : تقرير مبدأ الاقتراع المقيد : فبما ان هيئة الناخبين تمارس وظيفة، فيتحتم أن تكون هناك شروط محددة لممارسة هذه الوظيفة. فيحق للمشرع تقييد حق الانتخاب بشروط تتعلق بالكفاءة العلمية أو النصاب المالي، ويقتصر الانتخاب فقط على من تتوافر فيه هذه الشروط .
2 : تقرير مبدأ الانتخاب الإجباري : بمعنى أن للأمة أن تُلزم الناخبين على الإدلاء بأصواتهم باعتبار ان من صفات الوظيفة وجوب إلزامية أدائها، ومن ثم فرض الجزاء على من يتخلف عن القيام بذلك، وقد أخذت بذلك العديد من الدول([59])، ومن الدساتير التي عملت بهذا الرأي الدستور الفرنسي الصادر عام 1791، وكذلك الدستور المصري الصادر عام 1930، كما اعتنق المشرع المصري ـ بعد الثورة ـ الفكرة القائلة بأن الانتخاب يدخل في عداد الواجبات الوطنية([60])، فترتب على ذلك الإجبار في الانتخاب([61]).
الفرع الثالث: الانتخاب حق ووظيفة
حاول البعض الأخذ بموقف وسط والجمع بين الفكرتين السابقتين على أساس أن الانتخاب ليس وظيفة اجتماعية خالصة وإنما فيه شيء من صفة الحق الفردي، فلو كان الانتخاب وظيفة اجتماعية خالصة لما أُعترض على المشرع عند تضييقه دائرة الناخبين أو اشتراطه نصاباً مالياً في الناخب، كما ان المنتخبين لا يعملون لحسابهم وإنما للمجموع وللصالح العام .
ويذهب جانب من أصحاب هذا الرأي إلى أن ذلك لا يعني الجمع بين هاتين الصفتين المتعارضتين في لحظة واحدة، وإنما يعني أن الانتخاب هو حق ووظيفة على التتابع، فذهب الفقيه ( كاريه دي مالبيرج ) إلى ان الانتخاب يعتبر حقا شخصيا تحميه الدعوى القضائية في البداية عندما يقوم الناخب بقيد اسمه في الجداول الانتخابية، غير أنه يتحول إلى وظيفة بعد ذلك أثناء ممارسة الناخب لعملية التصويت والمساهمة في تكوين الهيئات العامة في الدولة، أي أن هناك تتابعاً بالأخذ بالصفتين، فأولاهما كونه حقاً، وثانيتهما كونه وظيفة.
ويميل الدكتور ( داود الباز )([62]) إلى تأييد هذا الرأي بالقول " ان هذا التكييف يفصل بين مرحلتين ( القيد والتصويت ) ويجعل من كل منهما عملا منفصلا عن الآخر بالنسبة لاكتساب الوصف الخاص به، وعملا متكاملا بالنسبة لممارسة التصويت، التي تستلزم وجود الحق في التصويت،... "([63]).
بينما يرى العميد ( موريس هوريو ) ان الجمع بين النظريتين يقوم على أساس ان الانتخاب هو حق فردي وهو في الوقت نفسه وظيفة اجتماعية أو واجب مدني، مما يؤدي إلى جواز النص على جعل التصويت إجباريا([64]).
الفرع الرابع : الانتخاب سلطة قانونية
يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى تكييف الانتخاب باعتباره سلطة أو ( مكنة ) قانونية مقررة للناخب لا لمصلحته الشخصية، ولكن لمصلحة المجموع، وهذه السلطة يتحدد مضمونها وشروط استعمالها بالقانون، وبطريقة واحدة بالنسبة لجميع الناخبين، ويترتب على هذا المنطق أنه من حق المشرع التدخل بالتنظيم والتعديل في أي وقت يشاء، لأن الانتخاب ليس حقاً شخصياً مولداً لمركز ذاتي، ولكنه سلطة قانونية لا يُعترف بها لكل شخص، وإنما يعترف بها للإفراد الذين يحددهم القانون، وفقاً للشروط التي يقررها، وللمشرع أن يُعدل فيها لكونها تولد مراكز عامة مجردة، لا مراكز شخصية.
ومن أنصار هذا الرأي من الكتاب العرب، الدكتور ( ثروت بدوي ) والدكتور ( محمد انس جعفر) والباحث ( علي محمد الدباس )([65])، وآخرون.
والى نفس الرأي يذهب الفقيه الفرنسي ( بارتلمي )، بالقول ان المشاركة الانتخابية تستمد شرعيتها من قانون الانتخاب الذي يقررها ويحدد كيفية ممارستها، ومن ثم فهي لا تعتبر حقا شخصيا طبيعيا ينبغي ان يتمتع به جميع الأفراد، وإنما هي سلطة قانونية مستمدة من مركز موضوعي ينشئه القانون من اجل تمكين المواطنين من المشاركة في اختيار السلطات العامة في الدولة([66]).
وأخيرا يرى جانب من الفقه الدستوري ان الانتخاب هو حق سياسي يستمده المواطن من الدستور أو القانون، وينتهي هذا الرأي إلى نفس النتائج المترتبة على اعتبار الانتخاب سلطة قانونية([67]).
الرأي الأرجح :
نرى ان الرأي الأرجح في تكييف الانتخاب وما يترتب على ذلك من نتائج، انه حق خاص، لم يأتي من مكنة أو سلطة قانونية، وبالتأكيد هو ليس وظيفة، وذلك للأسباب الآتية :
1 : هذا الرأي هو الأكثر انسجاما مع الروح الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان كونه ينبع أساسا من المفهوم الديمقراطي لحق المشاركة السياسية وآليات تطبيق هذا المفهوم، مع ميل الديمقراطيات الحديثة إلى الأخذ بهذا التكييف وبما ينسجم مع المعايير الدولية والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ( وكما سيتبين ذلك في المطلب القادم ).
2 : ان الأخذ بهذا التكييف لحق الانتخاب لا ينال من حق الدولة في القيام بتنظيمه بمقتضى ما لها من صلاحية في إصدار القواعد القانونية، مع الإشارة إلى ان اعتبار الانتخاب حقا، له فائدته في التأكيد على ان القوانين التي تسنها الدولة في هذا الشأن يجب ان تستمد شرعيتها من مبادئ قانونية كبرى تتعلق أحكامها بالمجتمع البشري قاطبة خصوصا تلك المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
3 : ان النقد الذي يوجه لهذا التكييف في انه يسمح بإجراء مختلف التصرفات على هذا الحق هو انتقاد يمكن الرد عليه بان هناك العديد من الحقوق ذات طبيعة خاصة تجعلها غير قابلة للتصرف فيها أو التنازل عنها من قبل أصحابها، وفي مقدمتها الحقوق السياسية كحق المشاركة الانتخابية([68]).
4 : من الصعب القبول بالنتائج التي تترتب على كون الانتخاب وظيفة، من حيث:
أ : لم يثبت نجاح الأخذ بالتصويت الإجباري ـ كأحد نتائج نظرية تكييف الانتخاب كوظيفة ـ في الدول التي أخذت بذلك، لتحقيق نسب مشاركة عالية([69]).
ب : ان اشتراط الكفاءة العلمية يخالف المبدأ الديمقراطي القائم على توسيع المشاركة الشعبية، والوعي السياسي قد يعوض عن الوعي الأكاديمي، والعلاج هو محو الأمية، لا الحرمان من التصويت.
ج : ان سبب قلة إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع ليس مرده كون الاقتراع اختياريا وليس إجباريا، بل ان الأمر قد يعود لأسباب أخرى منها عدم اكتراث الناخب بالعملية السياسية في بلاده، أو لاعتقاد الناخب ان صوته غير مؤثر، أو لكثرة عمليات التزوير التي تشوب الانتخاب، والإجراء الصحيح هو قيام الدولة بمعالجة هذه الأسباب، لا جعل الانتخاب إجباريا([70]).

