أنت هنا

قراءة كتاب النزعة العلمية في الفكر العربي الحديث

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
النزعة العلمية في الفكر العربي الحديث

النزعة العلمية في الفكر العربي الحديث

كتاب " النزعة العلمية في الفكر العربي الحديث " ، تأليف نبيل عبد الحميد عبد الجبار ، والذي صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 7

العامل الاقتصادي

لقد أسفر توسع العثمانيين عسكريا، خلال القرن الخامس عشر، عن تكوين إمبراطورية واسعة الأرجاء تمتد من نهر الدانوب إلى الخليج العربي ومن سهوب أوكرانيا إلى مدار السرطان في مصر العليا، وقد أتاح لها ذلك السيطرة على طرق التجارة الكبرى في البحر الأبيض المتوسط والبحرين الأسود والأحمر وبعض أنحاء المحيط الهندي([17])، وفي حوالي هذه الفترة برز البرتغاليون كوسطاء تجاريين بين الشرق وأوربا، ولكي يتسنى لهم كسر طوق الاحتكار العثماني لطرق التجارة بين الشرق والغرب عمدوا، بتشجيع من الأمير هنري الملاح Don Hanrique(1394-1460) إلى استكشاف ساحل إفريقيا المحال على المحيط الأطلسي في اتجاه الجنوب، على أمل الوصول إلى الهند عبر طريق لا يسيطر عليه العثمانيون وقد تكللت جهودهم بالنجاح عندما أفلح فاسكودي غاما Vasco da Gama عام 1498 في الوصول إلى الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح، ولقد أدى ذلك إلى توجيه ضربة قاصمة للمصالح الاقتصادية للعثمانيين([18]). فقد ترتب على تحول التجارة العالمية المتنامية نحو الطريق البحري الجديد فقدان العثمانيين سيطرتهم على تجارة الذهب والفضة- الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار، مما زعزع مالية الدولة([19]). وقد لجأت الدولة العثمانية، بغية تدارك ما ترتب على ذلك من تدهور في أوضاعها الاقتصادية، إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات والتدابير كان من جملتها المعاهدة التي عقدت عام 1536 بين السلطان سليمان القانوني والملك فرنسوا الأول- ملك فرنسا-ممثلا بسفيره في الأستانة (المسيو جان دي لافوري) والتي تقرر بموجبها منح رعايا ملك فرنسا القاطنين في أراضي الدولة العثمانية بعض الامتيازات، مثل حرية التنقل والإقامة بقصد الاتجار والبيع والشراء في كافة السلع غير الممنوع الاتجار بها ونقلها، ومنح القناصل الفرنسيين صلاحيات البت والفصل والحكم في ما ينشأ بين أفراد رعيته من خلافات سواء في القضايا المدنية أو الجنائية([20]). وهكذا، وبفضل هذه المعاهدة، التي ما لبثت أن ألحقت بها معاهدات مماثلة لها مع دول أوربية أخرى، لاسيما انكلترا([21]). تسنى للتجار وممثلي الشركات التجارية الأوربية- والفرنسية منها على وجه التخصيص- أن يتغلغلوا في أرجاء الإمبراطورية العثمانية- وفي مدن أقطار المشرق العربي خاصة (القاهرة الإسكندرية، بيروت، طرابلس، صيدا، دمشق، وحلب، وغيرها) وأن يحتكوا بسكانها، وإن يحققوا من خلال ذلك نوعا من التواصل بين الغرب والمشرق العربي.

وكان مما زاد من تعميق هذا التواصل وترسيخه، أن هؤلاء التجار وممثلي الشركات التجارية واجهوا خلال قيامهم بنشاطاتهم التجارية عقبات عديدة، سواء عند اتصالهم بالسكان المحليين، أو في رحلاتهم في أرجاء البلاد أو عند تعاملهم مع سلطات الجمارك المحلية، وغير ذلك، البلاد (في مصر كان معظم هؤلاء الوسطاء من اليهود والأقباط والأرمن، أما في سورية فكانوا في المناطق الساحلية من المسيحيين بمختلف طوائفهم، أما في حلب فكانوا من الأرمن على وجه الخصوص) وعلى الرغم من الجهود التي بذلها التجار الأوربيون من أجل حصر نشاط هؤلاء الوسطاء ضمن حدود نشاط الوكلاء، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وسرعان ما أخذ هؤلاء الوكلاء في تطوير نشاطاتهم التجارية لمصلحتهم الخاصة، وغدوا بالتالي نواة لبورجوازية تجارية محلية تمثل امتدادا للبورجوازية التجارية الأوربية، والواقع انه كان مما يسر لهم النجاح في مسعاهم هذا استفادتهم من الامتيازات التي منحت للقناصل الأجانب، والفرنسيين خاصة، بموجب المعاهدة المعقودة عام 1536 التي أشرنا إليها والتي خولتهم حق منح خمسين شخصا ممن يفترض أنهم يعملون في خدمتهم، براءات أو خطابات حماية يصدرها الباب العالي يتمتعون بموجبها بكافة الامتيازات المنصوص عليها في المعاهدة المذكورة، ويبدو أن قناصل الدول الأوربية قد تجاوزوا في استخدامهم لهذا الامتياز الأغراض التي أقر من أجلها، بل أباحوه لكل من يدفع الثمن، لاسيما وإن هذا الامتياز كان يتجدد عند كل تعيين جديد لقنصل أو سفير، ويمكننا أن نتبين مدى سوء استعمال هذا الحق مما وصل إلينا من أن باشا حلب شكا إلى الباب العالي في عام (1793) من أن عدد (تراجمة) القناصل في حلب زاد حتى بلغ حوالي ألفا وخمسمائة، وكلهم معفوون من الضرائب ويعملون في التجارة([22]). وغني عن التنويه أن ذلك بقدر ما يدل على تساهل القناصل الأجانب في استخدام الحق الممنوح لهم، يدل أيضا على تنامي الطبقة البورجوازية التجارية التي نشأت بفضل(الامتيازات الأجنبية).

والواقع أن ما يهمنا من ذلك كله هو أن هذه الفئة المستفيدة من (الامتيازات) أو لنقل هذه الطبقة البورجوازية المتنامية، قد تسنى لها، بحكم معاشرة أفرادها للتجار الأجانب، أن تتعلم تدريجيا فنون والمالية الدولية وان تتعلم غالبا لغة من تعمل في خدمتهم من الممثلين التجاريين، ومعنى هذا، أن نشاطها الاقتصادي قد يسر لها أن تستوعب مظاهر ثقافة الجهات الأجنبية، التي كانت تعمل لصالحها، أي بعبارة أخرى، مظاهر وقيم الحضارة الأوربية، وقد أفضى بها ذلك في نهاية المطاف، حرصا منها على ضمان مصالحها، إلى الدعوة صراحة للاقتداء بالنموذج الأوربي، بل والنظر إلى أوربا باعتبارها صديقة وأن لا ضير من الاستعانة بها لاصلاح حال المجتمع السوري([23]).

العامل الديني

لقط ظلت سورية، وبضمنها لبنان وفلسطين، منذ أيام الحروب الصليبية، موضع اهتمام الأوساط الكاثوليكية المتنفذة في أوربا- وعلى الأخص في إيطاليا وفرنسا([24]). ويمكن القول أن ثلاثة أسباب كانت وراء استمرار هذا الاهتمام وتزايده بمرور الوقت.

أولها- الصلات والروابط الوثيقة التي أنشأها الفرنسيون المشتركون في الحملات الصليبية مع بعض مسيحي سورية، وعلى الأخص الموارنة، الذين باتوا يعتبرون منذ ذلك الوقت على أنهم "فرنجو" المشرق وأنصار فرنسا المسيحية في سورية ([25]). ولقد تعززت هذه التبعية المارونية لفرنسا، بل واتخذت طابعا شبه رسمي، من خلال معاهدة (الامتيازات) الشهيرة، التي عقدت عام 1536، بين سليمان القانوني وفرنسوا الأول، ملك فرنسا، ذلك أن فرنسا ما لبثت أن سحبت الحق الذي خولتها إياه المعاهدة في حماية رعاياها من التجار والقناصل والوكلاء والعملاء داخل الدولة العثمانية ووسعت نطاقه بحيث صار يشمل أيضا المسيحيين الكاثوليك المرتبطين بكنيسة روما، لاسيما أبناء الطائفة المارونية، ولكي تضمن فرنسا ولاء أبناء هذه الطائفة (المارونية) لها عقدت إلى اتخاذ بعض الإجراءات، مثل منح لويس الرابع عشر (1638-1715) أبناء عائلة (الخازن) المارونية شرف تولي وظيفة القنصل الفرنسي في بيروت( وقد ظلت هذه الوظيفة امتيازا لأبناء هذه العائلة من عام 1655 حتى عام 1753) ([26])، وكذلك الإيعاز إلى القناصل الفرنسيين في الدولة العثمانية بوجوب معاملة الرهبان الموارنة كمعاملة المرسلين الفرنسيين ولقد أصدر وزير البحرية الفرنسي (روليه)، في الخامس من آذار 1750، توجيها إلى القناصل الفرنسيين في الدولة العثمانية قال فيه: " أن الرهبان الموارنة الذين يؤلفون رهينة مار انطونيوس في جبل لبنان قد شملهم الملك بحمايته الخاصة في كل وقت، وقد توسلوا إلى جلالته أن يجدد لهم تلك الحماية ويثبتها لهم، فتنازل جلالته واستجاب إليهم وأوصاني أن أكتب اليكم أن تعاملوهم كما تعاملون المرسلين الفرنسيين الذين هم في الشرق من قبل جلالته... ([27]).

وثاني تلك الأسباب التي أدت إلى استمرار وتزايد اهتمام الأوساط الكاثوليك المتنفذة في إيطاليا وفرنسا بمسيحي المشرق العربي، والموارنة على وجه التخصيص، تمكن في المساعدة التي كان أدواق توسكانا يأملون أن يتلقونها من المارونيين، في تحقيق مشروعاتهم الصليبية، ومن أبرز أولئك الأدواق (فردناند دو مديتشي) جرا ندوق توسكانا، الذي كان قبل أن يتولى إمارة توسكانا كاردينالا، وكان كثير الاهتمام بالموارنة وعلى اتصال ببطريركهم، ولعل من أوضح مظاهر اهتمامه، قيامه عام 1586 بتأسيس المطبعة المديتشية الشرقية، التي نشر فيها عام 1590 كتاب القداس الماروني في طبعه متقنة مصوره([28]).

أما ثالث تلك الأسباب فيتمثل في سعي البابوية منذ القرن السادس عشر، إلى توحيد الكنائس المسيحية، الأمر الذي دعاها إلى توثيق صلاتها مع الكنيسة المارونية وتقوية نفوذها عليها([29]). وقد اقتضى ذلك جيلا جديدا من القسس الموارنة يتم إعدادهم إعداد خاصا لكي يتسنى لهم حين يتبوؤا بعد ذلك المناصب الإكليريكية الإسهام بشكل فاعل ومؤثر في تحقيق التوحيد الديني المنشود، وبعد مفاوضات بين روما ولبنان استقر رأي البابا (غريغور يوس الثالث عشر) في عام 1584 على إنشاء (مدرسة الموارنة في روما) وانتدب ممثلين عنه أرسلهم إلى لبنان لكي يختاروا من اللبنانيين الموارنة من يرون فيهم الكفاءة والمقدرة وترشيحهم للالتحاق بالمدرسة المذكورة، حيث يتلقون دراسة منتظمة في العلوم اللاهوتية واللغة اللاتينية وكذلك، ضمنا اللغة الإيطالية- ولقد كان من جملة المهام التي يتعين على خريجي هذه المدرسة للاضطلاع بها، العمل على نشر التعليم الديني، وقد جاء في الأمر الذي أصدره المجمع المقدس المنعقد عام 1736 إلى المطارنة والكهنة ورؤساء الأديرة وطلاب مدرسة (روما) : "أننا نأمر بأن نفتح في المدن والقرى والأديرة مدارس يتلقى فيها الصبيان العلوم... أننا نأمر المعلمين بان يتبعوا الخطوة التالية: أن يعملوا أولا القراة والكتابة في العربية والسريانية، ثم المزامير، وخدمة القداس، والعهد الجديد... على المعلمين الذين يختارون من مدرسة روما أن يعلموا الأولاد في المدارس ويثقفوا الأهلين في القرى المجاورة بكلام الرب... ([30]).

وهكذا، وبتضافر هذه الأسباب الثلاثة، قدر للموازنة أن يغدوا، منذ القرن السادس عشر، وسيلة فرنسا لترسيخ نفوذها في أراضي الدولة العثمانية، وفي الوقت ذاته هدفا للنشاط التبشيري الكاثوليكي، وإن يغدوا بهذا الاعتبار حلقة الوصل بين الغرب- فرنسا وإيطاليا- والمشرق العربي- سوريا عموما ولبنان على وجه التخصيص، وإذا كان النصف الثاني من القرن السادس عشر قد شهد أعداد العدة وتوفير مستلزمات النشاط التبشيري،،فإن بداية القرن السابع عشر شهدت بداية وصول الإرساليات التي مارست نشاطاتها في البداية كانت إرساليات الفرنسيسكان من الإيطاليتين، ثم برزت إرساليات (الكبوشيين) ([31]).

غير أن هؤلاء الأخيرين لم يستمر نشاطهم طويلا لأنهم ما لبثوا أن طردوا من لبنان بسبب دعوتهم بعض العناصر غير المسيحية إلى اعتناق الدين المسيحي([32]).

فحل اليسوعيون محلهم وأخذوا يتابعون بعض أعمالهم، وفي عام 1773 توقف نشاط إرساليات اليسوعيين على أثر حل( البابا كليمان الرابع عشر) الجمعية اليسوعية، فغادر اليسوعيون لبنان عام 1775 وخلفهم المازاريون ([33]). والواقع أن النشاط التبشيري الكاثوليكي قد شهد، بعد ذلك، انحسارا وخمودا، بسبب الثورة الفرنسية وحروب نابليون، ولم يعاود نشاطه إلا في النصف الأول من القرن التاسع عشر([34]). بيد انه حين عاود نشاطه وجد نفسه إزاء تحدٍ جديد استحثه على مضاعفة جهوده، ففي عام 1819 بدأ نشاط الإرساليات الإنجيلية التابعة للمجلس الأميركي للإرساليات وإزاء ذلك ارسل (البابا غرايغوار السادس عشر) في عام 1831 إرسالية من الآباء اليسوعيين لتعمل على توسيع نطاق النشاط التبشيري الكاثوليكي والارتقاء به إلى مستوى يتمكن معه من مواجهة هذا التحدي الجديد. ومنذ ذلك الوقت بدأ التنافس بين الإرساليتين الإنجيلية- البروتستانتية والكاثوليكية- اليسوعية على اكتساب المؤمنين في لبنان وسورية عموما([35]).

وكانت الوسائل التي لجأت إليها كلتا الإرساليتين، في خضم تنافسهما وبغية تحقيق هدفيهما، كثيرة شملت، نشر التعليم الديني، وإنشاء المدارس الحديثة وتأليف الكتب أو ترجمتها من اللغات الأجنبية إلى العربية، وإنشاء مطبعة لطبعها ومن ثم العمل على نشرها على أوسع نطاق تستطيعه كل منها، وعلاوة على ذلك توظيف وسائل التخاطب الجماهيري كالصحافة والجمعيات لنشر أفكارها وتعاليمها الدينية هذا عدا عن وسائل أخرى تنطوي على تقديم خدمات اجتماعية وصحية للناس تشدهم من خلالها إليها، كتنقل بعض المتبشرين بين القرى حاملين معهم أنواعا من الأدوية، أو إنشاء المستوصفات والمستشفيات وإقامة الملاجيء لإيواء المعوزين... وغير ذلك- والواقع أن هذه الوسائل كلها بقدر ما كانت تمثل أدوات أرادت الإرساليات من كلتا الطائفتين أن تحقق من خلالها أغراضها الدينية، كانت في الوقت ذاته منافذ انتقلت من خلالها مظاهر الثقافة الأوربية وانتشرت بين أبناء المشرق العربي.

ولعل أعمق تلك الوسائل تأثيرا وأشدها فاعلية في تحقيق التواصل بين ثقافة الغرب وعقول الشرقيين العرب هي المدارس، ويجمع الباحثون على أن أولى المدارس الحديثة التي أنشئت، في لبنان، هي مدرسة (عينطورة) التي أنشأها اليسوعيون بمعاونة الموارنة عام 1834، تبعتها مدارس أخرى ابتدائية وثانوية للبنين والبنات، أما الإرسالية الإنجيلية- البروتستانتية فقد قامت هي الأخرى بإنشاء عدد من المدارس، كانت أولاها المدرسة التي أنشأها (القس وليم طومسون) الأميركي عام 1835. وفي عام 1847 أنشأ (كرنيليوس فانديك) المدرسة الثانوية في (عبية) ثم لحقتها مدارس أخرى ابتدائية وثانوية للبنين والبنات بلغ عددها حتى عام 1860 زهاء ثلاثين مدرسة، ثم ما لبثت المنافسة بين الإرساليتين أن طالت التعليم العالي، فبعد أن أنشأ رجال الإرسالية الأمريكية، في عام 1866، ( الكلية السورية الإنجيلية)- التي صارت تعرف فيما بعد باسم الجامعة الأمريكية في بيروت- قام رجال الإرسالية الكاثوليكية، عام 1875، بإنشاء (جامعة القديس يوسف) وكانت لغة التدريس في جميع كليات الجامعة الأمريكية في اللغة العربية في البداية، إلا انه في عام 1880 حلت اللغة الإنكليزية محلها في جميع الكليات، عدا كلية الطب التي أخذت بالنظام الجديد عام 1882. أما جامعة القديس يوسف فقد كانت الفرنسية واللاتينية هما لغة التدريس فيها في جميع الأقسام، باستثناء بعض دروس مدرسة الدراسات الشرقية، وفي حين أن الطابع العالم لهذه الجامعة ظل لاهوتيا، فإن الطابع الغالب على الجامعة الأميركية كان علميا([36]). ومع ثمانينات القرن التاسع عشر، دخلت في حوم التنافس الإرساليات الأرثوذكسية المدعومة من روسيا القيصرية، وشرعت هي الأخرى في إنشاء عدد من المدارس التي أخذت تعمل على إشاعة الثقافة الروسية في المشرق العربي، وقد أنشأت أولى هذه المدارس عام 1887 في بيروت وكانت تدرس العربية والروسية والفرنسية([37]).

وإذا كانت الإرساليات التبشيرية قد اتخذت من المدارس وسيلة أساسية لتحقيق أهدافها التبشيرية، فإنه من الطبيعي أن تهتم بتوفير ما تحتاجه المدارس من مستلزمات ضرورية، وفي مقدمتها الكتب المدرسية، وإذ لاحظت افتقار اللغة العربية إلى الكتب التي تساير مناهجها التعليمية، أدركت أن لا مناص من حيث معلمي المدارس على تأليف الكتب المدرسية باللغة العربية أو ترجمتها من اللاتينية إلى العربية، وقد جاء في خطاب موجه إلى التلامذة الموارنة في روما وإلى معلمي المدارس، نحث هؤلاء الطلبة، ومعلمي المدارس أن لا يقتصروا على الاهتمام بشؤونهم الذاتية، بل بشؤون الطائفة أيضا، ذلك أما بأن يؤلفوا في العربية الكتب المدرسية التي عددناها آنفا... وأما أن يترجموها من اللغة اللاتينية إلى العربية على الأقل. ثم فليعنوا ترجمة ونشرا لتأليف الآباء القديسين وأعمال المجمع وقوانينها، وتاريخ الكنيسة وغيرها من المصنفات الحرية بالمطالعة، والتي لا توجد عند الشرقيين لافي السريانية ولا في العربية... ([38]).

والواقع أن خريجي المدرسة المارونية في روما، وبعض رجال الدين المسيحي السوريين، الذين كانوا يعرفون بعض اللغات الأجنبية، سواء من الموارنة (مثل جرمانوس فرحات(1670-1732)، الذي كان يعرف اللاتينية والإيطالية علاوة على السريانية) أو من الأرثوذكس، الذين كانوا يعرفون اليونانية، وكذلك لا تحول دون نقلهم المعاني الأجنبية إلى اللغة العربية (مثل الأب بطرس فرو ملج اليسوعي 1678-1740) ليصوغها من بعدهم، بلغة عربية سوية، كتاب عرب- أقول أن هؤلاء جميعا قد اضطلعوا، منذ وقت مبكر، بدور بارز في حركة الترجمة التي شهدها لبنان، وإن كانت حركة الترجمة هذه دينية الطابع، ولعل من أبرز الأمثلة عليها، ما قام به (جرما نوس فرحات) من تصحيح الترجمة العربية للمزامير والأناجيل وسائر كتب الموارنة الكنائسية، وكذلك تعريب الإنجيل مسجوعا، ووضعه معجما صغيرا أسماه (الأعراب عن لسان الأعراب) وأخيرا انشاؤه في حلب (مجمعا عليما) يعنى اعضاؤه بالترجمة([39]). بل أن الطابع الديني ظل ملازما لحركة الترجمة حتى في القرن الثامن عشر، لاسيما بعد انقسام (الملكيين) إلى طائفتين عام 1774- طائفة متحدة مع روما (كاثوليكية) وأخرى مناوئه لها (ارثوكسية)، الأمر الذي دفع مناصري كلتا الطائفتين إلى تعزيز موقفهم وذلك بالرجوع إلى المصادر اللاهوتية اليونانية، أما الأرثوذكسي إلى تعزيز موقفهم وذلك بالرجوع إلى المصادر اللاهوتية اليونانية، فلكي يدراوا عن أنفسهم تهمة ممالاة الغرب اللاتيني، فمضوا يلتمسون في تصانيف اللاهوتيين البيزنطيين أدلة على صحة معتقد الكنيسة الكاثوليكية([40]).

أما رجال الإرسالية الإنجيلية- البروتستانتيه، فإنهم، أيضا، ما أن أخذوا يعدون العدة لإنشاء مدارسهم، حتى شرعوا في تهيئة الكتب المدرسية التي تغطي مفردات المنهج الدراسي لمدارسهم تلك، وكان سبيلهم إلى ذلك التأليف باللغة العربية أحيانا، والترجمة إلى اللغة العربية أحيانا أخرى، لاسيما وأنهم قد جعلوا لغة التعليم في مدارسهم في البداية العربية، وكان مما يسر عليهم الاضطلاع بهذا الأمر إجادة بعضهم اللغة العربية وتمرسه في الكتابة بها: مثل الدكتور كرتيليوس فانديك (1818-1895) الذي ألف بالعربية العديد من الكتب في علوم عديده- (كالجبر والمقابلة والهندسة والمثلثات والطبيعيات والفلك والباثولوجيا) والدكتور يوحنا ورتبات (1827-1908) الذي ألف كتابين في الفسيولوجيا والتشريح، وأسعد الشدودي (1826-1906) الذي ألف بعض الكتب في العلوم الطبيعية (مثل – العروس البديعة في علم الطبيعة، وأرجوزة الحكيم للحكيم)([41])، بيد أن إتقان بعض رجال الارسالية الأميركية اللغة العربية لم يحل دون استعانتهم بعدد من أبناء البلاد ممن تسنى لهم اتقان بعض اللغات الأجنبية من خلال احتكاكهم بهم، مثل أحمد فارس الشدياق (1804-1887) الذي عمل مترجما في مطبعة الإرسالية في مالطا، وبطرس البستاني (1819-1887) الذي عمل فترة من الوقت في القنصليتين البريطانية والأميركية ببيروت، كما واشترك مع اثنين من المرسلين الأميركان (الدكتور عالي سميث والدكتور فانديك) في ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية([42]).

ولم يكن بوسع الإرساليات التبشيرية أن تحقق أهدافها التعليمية بوجة خاص وأهدافها التبشيرية بوجه عام من دون أن تتوفر لديها وسيلة تيسر لها نشر الكتب والكراسات التي تتضمن تعاليمها وتوجهاتها على أوسع نطاق يكون في وسعها بلوغه، ولقد هيأت لها الطباعة الحديثة الوسيلة التي تفي بالمرام في هذا السبيل وبالتالي فإنه مثلما اقترن قيام المدارس الحديثة التي يتم فيها تعليم العلوم العصرية في المشرق العربي بنشاطات الإرساليات التبشيرية، فإن الشرق عموما والمشرق العربي خاصة لم يعرف المطبعة الحديثة إلا من خلال النشاط التبشيري، وذلك في حوالي منتصف القرن السادس عشر، فقد أنشأت في (الأستانه) اول مطبعة حديثة، طبعت فيها- ضمن ما طبع- بعض الكتب العربية ولكن بحروف عبرية ومن جملتها بعض رسائل (ابن ميمون) وترجمة التوراة إلى العربية (عام 1551) أما مطبعة عرفتها بلاد المشرق العربي فهي مطبعة (دير مار قزحيا)، جنوبي طرابلس، التي أنشأت عام 1610 من قبل بعض خريجي المدرسة المارونية في روما على الأرجح،إلا أن أحرفها كانت سريانية، وقد طبع فيها كتاب (المزامير) باللغة السريانية وباللغة العربية مكتوبة بالحرف المرشوني([43]).

أما أول مطبعة تستعمل فيها الحروف العربية، عرفها المشرق العربي فهي التي أنشأها في حلب عام 1698 (البطريك اثنا سيوس الرابع الدباس) وكان أول مطبوعاتها كتاب في الطقوس الدينية (1702) ثم كتاب (المزامير)، وفي عام 1706 توالت المطابع على لبنان، بعدما استقرت طلائعها في الأديرة، ومن أهم تلك المطابع، مطبعة الروم الكاثوليك في (دير مار يوحنا الصايغ) في (الشوير) التي أسسها (الشماس عبد الله الزاخر) حوالي عام 1733( وما لبث الروم الأرثوذكس أن أنشأوا- بمسعى الشيخ يونس نقولا الجبيلي المعروف بأبي عسكر- مطبعة(القديس جاور جيوس) في بيروت عام 175، لينافسوا بمطبوعاتها الدينية مطبوعات مطبعة الشوير.

الصفحات