أنت هنا

قراءة كتاب توماس هوبز ومذهبه في الأخلاق والسياسة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
توماس هوبز ومذهبه في الأخلاق والسياسة

توماس هوبز ومذهبه في الأخلاق والسياسة

كتاب " توماس هوبز ومذهبه في الأخلاق والسياسة " ، تأليف نبيل عبد الحميد عبد الجبار ، والذي صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 8

يجدر بنا أن نقول في مستهل مناقشتنا لهذه المسألة أن ما يرد في المصادر من إشارات في هذا الصدد يتسم بشيء من الإبهام، ويبعث على الحيرة، فأغلب المصادر ــ باستثناء كتاب منتز ــ تميل إلى الإيحاء بأن انصراف هوبز نحو دراسة الكلاسيكيات يرجع إلى تأثير زيارته الأولى للقارة الأوروبية([56]).

الواقع أن دراسة التراث الكلاسيكي لم تكن أمراً غريباً عن هوبز، بل على العكس كانت تحظى باهتمامه منذ نعومة أظفاره، ولم ينقطع عنها إلى ما بعد التحاقه في خدمةآل كافندش، إن لم يكن اهتمامه بها قد تضاعف نتيجة لما وجده في مكتبة سيده العامرة من كتب ومؤلفات في شتى جوانب الثقافة الكلاسيكية، ولذا فإنني أميل إلى الاتفاق مع رأي (منتز) ([57]) من أن هوبز، عقب عودته من سفره، قد "واصل" قراءاته لمؤلفات المؤرخين الكلاسيكيين، وإن ذلك كان امتداداً لاهتمامه السابق بها، ولم يكن انعكاساً لتأثير زيارته لأوروبا، على نحو ما توحي به المصادر الأخرى ــ وإن كان من المحتمل أنه أظهر في هذه الفترة اهتماماً أكبر بالأدب والتاريخ الكلاسيكيين.

ولكن ما الذي حمل هوبز على الاستمرار في دراسة الكلاسيكيات؟ وما كانت غايته منها بعد أن تسنى له الاطلاع على انجازات غاليلو Galileo كبلر Kipler([58])، والتصرف على الاتجاه الجديد الذي كانا يبشران به؟

يمكننا القول ان اطلاع هوبز على انجازات (غاليلو) و (كبلر) قد أظهر له حقيقة ما انتهى إليه الاتجاه الارسطي والفكر المدرسي في أوروبا من همود وانحسار، فتأكد لديه عقمه وعدم جدواه، بيد أنه (اعني هوبز) لم يكن قد وقع بعد على البديل الذي يمكن أن يحل محل ذلك الاتجاه، فهو لم يكن قد تأثر بعد بالاتجاه الجديد الذي كان غاليلو وكبلر يدعوان إليه، تأثراً عميقاً إلى حد يجعله يتبنّاه ويندرج في عداد الداعين إليه.

ان تأثير الاتجاه الجديد عليه إنما اقتصر على تنبيهه وتأكيده حقيقة الهمود الفكري الذي كان يعم الأوساط المتعلمة والمؤسسات الثقافية والعلمية في وطنه. ومن هنا جاز لنا أن نعتبر الفترة التي أعقبت عودته من الرحلة فترة اختمار، وبحث وسعي متصلين([59]) في دراسة الكلاسيكيات. وكان مما ساعده على ذلك الظروف التي تهيأت له بحكم عمله لدى آل كافندش، فلقد كان لديه متسع من الوقت للمطالعة والتأمل والتفكير([60])، وتحت تصرفه مكتبة تحفل بكل ما يحتاج إليه، إلى جانب إمكانية الاستفادة من اتصاله بتلك النخبة البارزة من رسالات المجتمع والعلم والأدب، التي كانت تتردد ائماً على ديوان أو منتدى سيده([61]). وقد استغرق عكوفه هذا على دراسة الكلاسيكيات قرابة خمسة عشر عاماً، وصفها في سيرته الذاتية بأنها كانت أسعد فترات حياته، طالع خلالها مؤلفات العديد من الشعراء والمؤرخين الكلاسيكيين، سواء من الاغريق أو من اللاتين([62]).

وقد تمخضت مطالعاته ودراساته تلك عن ترجمته لمؤلف "ثيوسيديديس ــ Thucydides عن "الحرب البيلوبونيوزية" Peloponnesian War، التي صدرت في عام (1628)، وإن كانت قد أنجزت قبل ذلك بعدة أعوام([63]).

ولهذه الترجمة، والمقدمة التي صدّرها بها، مغزى بالنسبة لاتجاه تفكيره، إذ هما تعكسان لنا جملة من الأمور من شأنها أن تعيننا على فهم الخلفية الفكرية التي كانت تستند إليها آراؤه آنذاك، وتوضحان لنا حقيقة موقفه تجاه الأحداث الدائرة في بلاده. إن الترجمة تعكس لنا، قبل كل شيء، إعجاب هوبز الشديد بـ "ثيوسيديديس"، وبالتالي تأثره به([64]). كما أن المقدمة التي كتبها هوبز في مستهل الترجمة، تكشف لنا ما كان عليه تفكير هوبز السياسي آنذاك، وتظهر بوضوح الجانب السياسي الذي بدأ ينحاز إليه، من خلال التوكيد الذي أولاه على تفضيل المؤرخين لنظام الحكم الملكي([65]). وأخيراً فإن نشر الترجمة, في ذلك الحين, يعكس لنا موقف هوبز من الواقع السياسي القائم آنذاك في بلاده, سواء فيما يتعلق بطبيعة الحكم أو اتجاه سير الأحداث, فقد شهد العالم الذي نشر فيه هوبز ترجمته هذه أحداثاً عديدة، يحتمل أن تكون قد حفزت هوبز على القيام بمبادرته هذه. فقد كان الملك "تشارلس الأول" Charles I على خلاف مع البرلمان([66])، كما أن الانتخابات التي جرت في ذلك العام كانت قد أسفرت عن فوز معارضي الملك بأغلبية ساحقة، كما قام "سير ادوارد كوك" Sir Edward Coke بتقديم "عريضة الحقوق"، كي ينال من الملك إقراراً بضمان الاحترام التام لحقوق الشعب وحرياتهم([67]). واجمالاً، كانت الأحداث تشير إلى ارتفاع تيار المد الديمقراطي "بصورة تنذر بالسوء" ــ على حد تعبير بيترز([68])ــ وبالتالي كان من الطبيعي أن يبادر مؤيد للنظام الملكي كهوبز إلى تحذير مواطنيه من مغبة الكارثة التي انتهى إليها الاثينيون، في ظل ظروف مماثلة تقريباً.

هذا فيما يتعلق بدراسته للكلاسيكيات، أما فيما يتعلق بصلته بـ (فرانسس بيكن) فقد نشأت في وقت سابق على نشره لترجمة مؤلف (ثيوسيديديس)، وعن طريق حلقة (كافندش). وقد عمل هوبز، لفترة قصيرة كسكرتير لـ (بيكن) ([69])، ويرجع أن ذلك كان في الفترة ما بين عامي (1621 ــ 1626) ([70])، حين كان (بيكن) قد أعفي من المنصب الذي كان يشغله كرئيس لمجلس اللوردات([71]) Lord Chancello، وصار يعيش في عزلة من الناس، منقطعاً للكتابة ومتابعة اهتماماته العلمية على نطاق ضيق([72]).

وكل ما يعرف عن صلة هوبز بـ (بيكن) لا يتعدى إشارات وروايات مقتضبة، أوردها (اوبرى) ــ كاتب سيرة هوبز، كقوله بان (بيكن) كان يحب التحدث مع هوبز، وأن هوبز قد ساعده في ترجمة العديد من مقالاته إلى اللاتينية. وأنه (هوبز) كان يحمل معه، أثناء مرافقته لـ (بيكن)، قلماً وورقاً، لتدوين أية فكرة فلسفية قد تخطر على بال سيده، وأن الأخير كان يردد دائماً أنه يفضل أن يتولى هوبز دون غيره تدوين أفكاره لانه يفهم ما يملي عليه([73]).

الصفحات