كتاب " في مهب الثورة (2) " ، تأليف الفضل شلق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب في مهب الثورة (2)
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الإخوان: خلل السياسة وتحوّل العقيدة
أينما سيطر الإخوان المسلمون أسرعوا بالتأسيس على الهوية لا على السياسة. أدى ذلك إلى إضاعة الفرص في بناء الدولة ونقاش المشاكل الاقتصادية والاجتماعية؛ كما أدى إلى تحوّل في العقيدة الدينية لديهم.
تتعلق السياسة بالحوار مع الآخر في سبيل الوصول إلى تسويات لتمكين المجتمع من العيش معاً. تُعنى السياسة بالأمور الدنيوية حكماً. كما قال الماوردي في مطلع الأحكام السلطانية: الإمامة موضوعة لسياسة الدنيا وحراسة الدين. الدين مكمّل منذ خطبة الوداع: اليوم أكملت لكم دينكم. السياسة خطاب إلى الآخر، اعتراف بالآخر وبرأيه. رأي الآخر يؤخذ في التسوية وإلا كانت هذه غير ممكنة.
تتعلق الهوية بالخطاب مع الذات. يحاول أصحاب الخطاب معرفة ذاتهم، تحديدها، تعريف ماهيتها. في الأمور الدينية هناك المحرم والمكروه والمستحب والمباح والحلال. تركز الهوية الدينية على الحرام والحلال. ما بينهما من مكروه ومستباح ومستحب بشكل عام أمور دنيوية ليس لها الأولوية أمام الحلال والحرام. ينتهي أصحاب الحرام والحلال إلى البحث عن الحرام لمنعه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). ينتهون إلى العيش في هاجس الحرام. الحرام هو المحرك الأساسي لهم.
يعتبر أصحاب الإسلام السياسي وحلفاؤهم السلفيون (أي اليمين الديني) أن مهمتهم الأولى هي أسلمة المجتمع (ثانية) رغم أن أكثريته إسلامية ومن أهل السنة والجماعة، لكن القيادة القطبية لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي تعتبر المجتمع الإسلامي جاهلية جديدة، وعلى الإخوان وحلفائهم تحويل المجتمع قبل تطويره وتمكينه اقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً. لذلك كانت أولى المعارك التي خاضوها هي معركة القانون والدستور والقضاء. بالنسبة إليهم تبدأ أخونة الدولة بهذه القطاعات. أخونة الدولة ضرورة من أجل أخونة المجتمع.
لكن ذلك أحدث انقسامات اجتماعية حادة. يعتبر الإخوان أنفسهم من أهل السنة والجماعة. نسوا كلمة «الجماعة»، أو اعتبروها تقتصر عليهم وحدهم، وركزوا على السنة والقرآن من أجل تقرير الحرام. واعتبروا أن في ذلك استقامة الجماعة. لم تعد مخاطبة الجماعة تهمهم باعتبار أنهم هم الجماعة وحدهم وعلى الآخرين اتباعهم، حتى بالقسر والإكراه. لا يهمهم أن هناك تعدداً فقهياً في المجتمع. فقههم هم هو الذي يُحسب له حساب. لا يأخذون المجتمع كما هو، يختصرون المجتمع بجماعتهم. وفي ذلك تحول في العقيدة التي ترتكز على حق الاختلاف؛ «اختلاف أمتي رحمة»؛ وعلى العذر بالجهل (من يجهل دينه من العامة أو الخاصة يكفر) ويقتربون من مبدأ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» باليد؛ هذه المرة عن طريق السلطة التي يسيطرون عليها. من الضروري استخدام وزارة الداخلية للقمع، ووزارة العدل لإعطاء الأحكام، ودار الفتوى من أجل إصدار التعليمات. من الضروري أيضاً السيطرة على الأزهر من أجل تدعيم موقفهم. يختصرون السنة بالحرام والجماعة بأنفسهم ويستخدمون جهاز الدولة ويسخرون التنظيمات السرية من أجل ذلك. ويتحولون مع استلام السلطة إلى فرقة تكفيرية، حتى وإن لم يقولوها صراحة. بالتالي ينقسم المجتمع؛ يفقد تسامحه الذي تعوّده خلال التاريخ، وذلك بحكم الاضطرار للدفاع عن نفسه في وجه التكفير ولا أحد يعلم إلى أين تنتهي الأمور.


