أنت هنا

قراءة كتاب قوس الأزمات الإقليمية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
قوس الأزمات الإقليمية

قوس الأزمات الإقليمية

كتاب " قوس الأزمات الإقليمية " ، تأليف جميل مطر ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 10

مر على مصر عامان عانت خلالهما من مضاعفات القصف المتبادل بين مختلف القوى والتيارات. جرى اتهام الإسلاميين عموماً بأنهم سرقوا ثورة عزيزة على نفوس الليبراليين خاصة وشعب مصر عامة. وفي الجانب الآخر وصم الإسلاميون الليبراليين بالعلمانية، بمعنى الإلحاد. وفى مرحلة أخرى وقع اتهامهم باستدعاء الفلول والتحالف معهم ضد الثورة وضد «الإسلام». هؤلاء وأولئك اتهموا المجلس العسكري، ممثل المؤسسة العسكرية، بأنه تدخل في ما لا يعنيه متسبباً في ارتباك سياسي غير محدود يكلف مستقبل مصر وأجيالها القادمة ثمناً باهظاً. ثم إنه أساء إلى سمعة المؤسسة المحترمة التي يحمل اسمها حين مارست قواته قدراً عالياً من العنف في التعامل مع المتظاهرات والمتظاهرين، فضلاً عن أنه لم يبذل جهداً حقيقياً أو جاداً لإصلاح جهاز الشرطة في وقت كان مناسباً. الخلاصة أنه استحق بأخطاء عديدة وقع فيها أن تلحق به إساءات أكثرها عن حق، وبعضها عن باطل، ولكنها في مجملها وآثارها لا تقل خطورة عن تلك الإساءات التي لحقت بالتيارات الإسلامية والليبرالية والفلولية. ومع ذلك وبسبب تدهور أداء معظم قادة التيارات الأخرى وفشلها في التوصل إلى قاعدة حوار معقولة، عاد الرهان على المؤسسة العسكرية ليحتل مكانة سيد الاحتمالات، برضاء البعض. وفي حال استمر التدهور سيعود الرهان عليها برضاء الأكثرية.

لم يكن في حسبان الكثيرين أن تصل سياط السياسة اللاذعة إلى الأزهر الشريف. كان المتصور للبسطاء وهواة العمل السياسي أن وصول تيارات الإسلام السياسي إلى ساحات السياسة والحكم سيضيف قوة إلى قوة هذه المؤسسة العريقة وقيمتها. الآن يقول بعض مؤرخي التطور الديني في مصر على مر القرون: إن الأزهر لم يتعرض في تاريخه لإساءة متعمدة ومنكرة كتلك التي تعرض لها على أيدي قوى معينة تحمل شعارات الإسلام السياسي الذي خرج من رحم الثورة المصرية.

***

إذا صحت صورة الوضع السياسي المصري الراهن حقيقة وواقعاً بالدرجة نفسها التي تظهر فيها لنا وللعالم الخارجي واضحة لا تقبل اللبس، فإننا نكون أمام مستقبل قريب يستحيل فيه على تيار بعينه أو مؤسسة بعينها أن تتصدر العمل السياسي مستندة إلى ثقة الشعب بها. لقد فشلت الأطراف كلها في امتحانات العامين الأولين من الثورة. لم ينجح أحد. أقول هذا وأمامي علامات الفشل أراها في كل مكان في مصر، وألمسه في كل مكان زرته خارج مصر. أكثر القوى المصرية، تيارات ومؤسسات وأحزاب وقيادات تسببت بسوء تنظيمها أو ركاكة تكويناتها السياسية والثقافية أو بتخلف معظم قياداتها وتفاهة تفكيرها وانعدام خبراتها وهشاشة تجاربها وضعف بنيتها التحتية، وبإصرارها على العيش داخل أنساق عفا عليها الزمن، في الإساءة إلى بعضها البعض، وفى المحصلة النهائية أساءت إلى ثورة مصر ومصر نفسها.

***

أصحاب النيّات الحسنة كثيرون. هؤلاء يعتقدون أنهم بجهود بسيطة سيتمكنون من لم شمل هذه الأطراف، أو التقريب بين وجهات نظرهم، أو التوصل بهم ومعهم إلى صيغة تعايش تضع أساساً لمرحلة انتقالية جديدة. أتمنى لهم حظاً سعيداً في جهودهم وأدعو لهم بالتوفيق في مسعاهم. ولكن يجب تحذيرهم من مغبة القفز فوق شروط أعتقد بوجوب توافرها لتحقيق نجاح مهمات الوساطة والتقريب.

لا أعتقد أن أحداً سيطالب الأطراف كافة أن تطلب المغفرة أولاً عن ذنوبها التي ارتكبتها في حق بعضها البعض. ولكنى ادعوها أن تنظر في داخلها وتتأمل في ما فعلت بنفسها وبتقاليدها وقواعدها وقيمها وطموحاتها. بل أشعر وبيقين كبير أن مصر على وشك أن تشهد عمليات واسعة من النقد الذاتي تقوم به مختلف التيارات والمؤسسات السياسية. هذه الأطراف جميعها أخطأت في حق نفسها قبل أن تخطئ في حق المجتمع أو الوطن، وأعتقد بأن بعضها أخطأ في حق الدين ورسالته وقيمه أخطاء لا تغتفر ولن تتسامح فيها الأجيال الشابة.

أتوقع أن يسبق التوصل إلى تقارب بين مختلف تيارات العمل السياسي في مصر انعقاد جلسات ومؤتمرات «مساءلة ومحاسبة» للقيادات التي تولت مسؤولية التوجيه والقيادة خلال العامين الماضيين. بعض هذه القيادات يتهمها جيل جديد في صفوف أحزابها وتنظيماتها بأنها فرطت في تراث وجهد وأموال وأحلام ومعتقدات حملتها أجيال خلال عقود عديدة. السؤال الكثير التردد هذه الأيام في صفوف تيارات دينية وعلمانية وعسكرية وأمنية هو: ماذا فعلتم يا قادة حتى جلبتم علينا سوء الحال وأساء بعضكم إلى حقائق في الدين والوطن والنهضة والتنوير والتاريخ؟ والآن تشوهون المصير.

أتوقع أن تحدث في وقت قريب داخل بعض، إن لم يكن داخل كل، التيارات والأحزاب والقوى السياسية والتنظيمات الاجتماعية تغييرات تعكس انتصار جيل لم يهزم على جيل من القيادات فشل في أن يرقى إلى مستوى ثورة.

21/3/2013

الصفحات