أنت هنا

قراءة كتاب في البدء كانت الحرية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
في البدء كانت الحرية

في البدء كانت الحرية

كتاب" في البدء كانت الحرية " ، تأليف شريف رزق ، والذي صدر عن مؤسسة شمس للنشر والاعلام ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

(1)

الحُرِّية والإبداع 1

لا يوجد إبداع بدون حرية، وحين نستخدم كلمة الحُرِّية فالمعنى هنا مطلق، والإبداع هو المُحرِّك الرئيسي لشريان الحياة، ففي كافة مجالات الحياة ترتبط الحُرِّية ارتباطًا تلازميًا حتميًا بالإبداع.

حين تُبدع، تنطلق من داخلكَ طاقات كثيرة، وفي تلك الحياة تتآمر أشياء كثيرة كي تُحاصر إبداعكَ، مَنْ يختلف عنكَ يحاول دومًا أنْ يجعلكَ مثله لا لشيءٍ سوى لأنه يستشعر الأمان حين يتشابه معه الآخرون، حين تحب وتقتنع تمامًا، فلن يستطيع أحد أنْ يقترب من حدودكَ، وتلك الحدود هي الحُرِّية، وتلك الحدود بلا حدود، أنتَ تضعها ولا يراها غيركَ.

فالمبدع يتألق عند ازدهار الحريات، الإبداع يتطلب ازدهار كل أنواع الحريات.

فقد توصل جاليليو إلى الكثير من المكتشفات؛ لأنه لم يكن مقيد بأيَّة أفكارٍ مسبقة، ولأنه كان واضحًا وعالمًا بأنَّ الكتاب المقدس، لم يكن ولن يكون في أي وقتٍ من الأوقات كتاب علومٍ أو تاريخٍ، وحدث ذلك في وقتٍ كانت الكنيسة بأوروبا تتحكم في معظم الأشياء الحياتية، فقد اتهمتْ الكنيسة جاليليو بالهرطقة، والخروج عن أفكار الكتاب المقدس، وذلك عندما دعم أفكار كوبر نيقوس التي تدور حول أنَّ الشمس هي مركز الكون، وليستْ الأرض، كما زعمتْ الكنيسة في ذاك الوقت أنَّ هذا ما يقوله الكتاب المقدس.

هنا تصبح القضية أكثر تعقيدًا، تفسير الكتب الدينية تفسيرًا حرفيًا بمعزلٍ عن الواقع الحياتي المُعاش، يجعل الحياة منعزلة عن الفكر الديني، فالفكر الديني يجب أنْ يعطي رؤية حياتية، أما التفاصيل الحياتية فيجب أنْ تُترك لكل مجتمعٍ مع المنطق الذي يتفق مع تلك النظرية.

إذ يجب أنْ يسود الفكر المنطقي في تفسير النشاطات الحياتية اليومية، وما يتعارض مع المنطق يجب إعادة فحصه حتى يتسنى الأخذ بالمرجعية المنطقية.

الفكر الديني بالأساس، هو محاولة لتغيير الإنسان نحو الأفضل، لا أعتقد أنَّ غياب المنطق قد يضيف أي شكلٍ إيجابي لحياة الإنسان.

العلم أساسًا يقوم على الملاحظة والتجريب ثم التغيير، فالثبات فكرة لا تنتمي للحياة أو العلم، والعلماء في حالة بحثٍ دائم، فدائمًا توجد أسئلة جديدة، والإجابات تطرح أسئلة أخرى.

وحتى يُبدع العلماء لابد من التحرر من المادي والفكري، فليس من المنطق أنْ يكون المفكر، العالم، رجل الدين في حالة احتياجٍ مادي، ثم تطلب منه التكريس التام للعمل أو الخدمة الدينية، كما أنه ليس من المنطق بأي حالٍ من الأحوال أنْ يشترك رجل الدين ـ المفترض أنه منقطع للبحث العلمي ـ في أي عملٍ تجاري، أو أنْ يعمل لدى الحكومة، فهذا يقتنص الكثير من تلك الحُرِّية المطلقة التي يجب أنْ يتمتع بها دائمًا.

حين يخلط الفنان بين الربح المادي والفن المطلق، يقل الإبداع ويقل توهجه، فالفنان الحقيقي يُكرِّس حياته لفنه؛ لأنه هو والفن يصبحا شيئًا واحدًا.

حين رأيتُ الفنانة الكبيرة أمينة رزق على مسرح الهناجر في عام 2002م، تمثِّل في مسرحية اللَّيلة الثانية بعد الألف للكاتب عبدالله الطوخي، وكانت جالسة وهي تمثِّل طوال المسرحية، وكانت قد بلغتْ الرابعة والتسعين من العمر، فلن نستطيع أنْ نجد سببًا آخر غير العشق الشديد للفن، فالتمثيل بالهناجر عمومًا لا يُدر مالًا كثيرًا، ولكنه ذلك العشق الذي يجعل الحياة حياة، ويجعل أمينة رزق تقاوم آلام المرض، وتتحدى الزمن، وتُبدع، فقد وجدتْ الحياة في إبداعها، وتوحدتْ مع فنها، فأصبح الفن هو الطاقة والقوة الدافعة خلف النشاط الحياتي الذي قامتْ به.

فلحظات الإبداع للمبدع هي لحظات نشوى وذوبان، وقد ينسى الزمان والمكان، ويتوحد مع الفن في حالة إخلاصٍ يتسم بالنقاء، لذا فالحُرِّية المطلقة هي ملاذ كل فنان.

الصفحات