كتاب " في الحديث الشريف والبلاغة النبوية " ، تأليف محمد سعيد رمضان البوطي ، والذي صدر عن
قراءة كتاب في الحديث الشريف والبلاغة النبوية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
2- كيف حُفظ الحديث وكيف تمَّ تدوينه
قلنا بصدد الحديث عن كيفية وصول القرآن إلينا، إن سبيل ذلك إنما كان كلاًّ من التلقي الشفهي والتدوين الكتابي.
ويقال مثل ذلك بصدد الحديث أيضاً.
إلاّ أن الوسيلةَ الأولى لضبط الحديث إنما كانت الحفظَ عن طريق التلقي، وكان للصحابة من السليقة العربية والصفاء الذهني ما يجعلهم يعتمدون على حفظ الصدور أكثر مما يعتمدون على قيد السُّطور، ولولا هذه السليقةُ الصافيةُ لما وصَلَنا شيء من شعر الجاهلية ولا معلقاتها، فضلاً عن نثر الخطباء وحكمة الحكماء وأقوالهم المأثورة.
ثم إن الصحابة كان لهم من التعلق برسول الله ، والإيمان بنبوته وبأنه إن تكلم فإنما يتكلم من مِشْكاة النبوة، ما يحملهم على بذل كل ما لديهم من جهد لحفظ ما يتلقونه من حديثه عليه الصلاة والسلام.
قال أنس بن مالك: كنا نكون عند النبي فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه. وروى الخطيب البغدادي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: جزأت الليل ثلاثة أجزاء؛ ثلثاً أصلي، وثلثاً أنام، وثلثاً أذكر فيه حديث رسول الله .
ومعنى هذا الذي نقول أن الصحابة لم يكونوا يستعينون لحفظ الحديث بالكتابة في أول الأمر.. فلماذا؟
والجواب أن النبي كان ينهى أصحابه في صدر الإسلام عن أن يكتبوا شيئاً مما قد يسمعونه منه غير القرآن، خشية أن يلتبس عليهم القرآن بالحديث إن هم كتبوا كلاًّ منهما. روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فلْيَمحُه».
فلما تجمّع من آي القرآن عند الصحابة قدْرٌ وفير، نبههم إلى أسلوبه وإعجازه ومظاهر الفرق بينه وبين بقية أنواع الكلام، بحيث لم يعد يُخشَى عليهم أن يخلطوا بين الحديث والقرآن؛ أذن لهم النبي عليه الصلاة والسلام عند ذلك بكتابة الحديث، وأخذ كل من أوتي حظّاً من القدرة على الكتابة يكتب ما قد وعاه صدره من حديث رسول الله .
وفي ذلك يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته عن رسول الله ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضى؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله فأومأ بأصبعه إلى فيه وقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حقّ .
ويقول أبو هريرة: ما من أصحاب النبي أحدٌ أكثرَ حديثاً عنه مني، إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب .
وهذا أصح مذهب في التوفيق بين الأحاديث التي تمنع من كتابة السنة، والأحاديث التي تحبذها. يقول الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل:
«وحديث أبي سعيد: «حرصنا أن يأذن لنا النبي في الكتابة فأبى» أحسب أنه كان محفوظاً في أول الهجرة حين كان لا يؤمَنُ الاشتغال به عن القرآن» . وقال البيهقي وابن الصلاح وغير واحد: لعل النهي عن ذلك كان حين يُخاف التباسه بالقرآن، والإذن فيه حين أمن ذلك .


