أنت هنا

قراءة كتاب الآنسة ازدهار وأنا

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الآنسة ازدهار وأنا

الآنسة ازدهار وأنا

رواية " الآنسة ازدهار وأنا " ، تأليف عدي مدانات ، والذي صدر عن

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

- كيف تظنها تحصل على حاجاتها، من يأتي لها بالطعام والدواء؟ من يذهب عنها إلى البنك. من يسدِّد عنها فواتيرها، من ينقذها من وحدتها؟ ستقول: إنها ليست مقطوعة من شجرة، وأنا أقول: هذا صحيح، ولقد تحرَّيتُ عن هذا أيضاً ووجدتُ أنها لا تستعين بأحد، فهي على ما أظن تعيش في وهم أنها ما زالت تملك السلطان الذي كان لها.

انتابتني لحظة غضب أخرجتني عن طوري، فليس له أن يذهب إلى هذا الحدّ في رقابتها، على نحو يجرِّدها من خصوصيتها، حتى لو كان حريصاً على أمنها وراحتها كما يزعم. قلت مغتاظاً وساخراً بالوقت ذاته:

- أظنّك تعرف ماذا تأكل، وماذا تفعل على مدار الساعة، وحتى نوع برامج التلفاز التي تشاهدها والأغاني التي تفضِّلها.

لم يرفّ له جفن. نظر إليَّ بعينين ثاقبتين، وكأنه الفائز في امتحان صعب، وقال:

- أستطيع أن أخمِّن.

لملمتُ أطراف نفسي بعد تلك الهزيمة وسكنَتْ حواسي. ولعلّه أدرك أنه أفقدني سلاحي، فتلذَّذ بالصمت للحظات بدت لي مديدة وثقيلة. لا أكتمكم أنه أصاب مرماه وأنني شعرت بالخجل، فهذا تاجر العقارات، وهو الرجل الغريب، يكترث بأمرها أكثر مني، أنا الجار القديم الذي أكل من زاد والدها، والمعجب بها شخصياً، حتى إنّ فكرة الزواج منها راودتني في مطلع شبابي وقبل أن أكون مستعداً لها، ناهيك عن رغبة والدتي فيه. ولما لاحظ أن همّتي فترت، وأنني أقلعتُ عن مشاكسته، عاود الكلام في اتجاه فاحت منه رائحة التجارة، وليس في ما أثار مخاوفي:

- أنت تعرف أن المنزل على جمال نسقه، غير ذلك من الداخل، فهو يقبض على نفس من يجلس فيه ساعة، فكيف بمن يقيم فيه العمر كله؟ وهذه حال معظم الأبنية القديمة، تراها من الخارج الآن فتعجبك، ولكن ما إن تدخلها حتى تغتمّ، أضف إلى ذلك أنها تخلو من متطلبات الراحة الحديثة. إنّ شقة سكنية رحبة ضمن أحد الأبنية التي وصفتها لك توفِّر لساكنها مساحة عيش لا حشر فيها، فهي بهذه المواصفات المدروسة أفضل لها من بناءٍ قديمٍ لا يزيد عن كونه غلافاً جميلاً مُضلِّلاً، ليس فيه من الداخل غير غرف داخلية معتمة، وأظنك توافقني الرأي على ذلك أيضاً.

رأيتُ المنزل في الحال بهذه القتامة، فأنا عرفته من الخارج أكثر مما عرفته من الداخل، عرفته بإطلالته ومحيطه، بشجرات السرو والصنوبر التي نمت بسرعة مذهلة، والأرجوحة التي رُبِط طرفاها على جذعي شجرتين، ولم يكن لي فيها نصيب في صغري إلاّ في ما ندر. رأيتُ في الحال أنّ مشهد المنزل خادع، فأنتَ ما إن تجتاز عتبته حتى تغتمّ نفسك للحشر الذي تجد نفسك فيه، على غير ما كنت توقَّعت. لم أكن قد نظرت إليه على هذا النحو من قبل، وبدا لي أنّ تاجر العقارات محقّ في النظر إليه من هذه الزاوية، وتذكرتُ أنه بُنِيَ بمواصفات تلك الأيام، التي لم تأخذ في الحسبان سوى توفير حجرات لنوم المواليد، حتى لو ضاقت مساحتها وحُجبت الإضاءة عنها. أذكر أنني دخلته من قبل مرات عدّة وشعرتُ بالضيق للأسف الشديد. وجدته محقّاً في ما يدفعني لرؤيته، ووجدتُ معه أنّ الآنسة ازدهار تحتاج فعلاً مكان سكن تتوفر لها فيه وسائل الراحة الحديثة، حيث تحصل بكبسة زرّ خفيفة على دفء المنزل والماء الساخن أو الهواء البارد، وقد خبرتُ الفوارق هذه بنفسي كما يمكن له أن يعرف.

أسوق لكم من قبيل الطرفة هذا الحوار الذي دار بيني وبين والدي. كنا قبل سنة من السكن في تلك الضاحية قد أقمنا في منزل مستأجَر، ولمّا اكتمل بناء منزل النكوكند، سألتُ والدي، وقد كان يرأس دائرة مالية حكومية:

- لماذا لم تبنِ لنا منزلاً جميلاً كهذا؟

أجابني:

- راتبي لا يسمح لي بترفٍ كهذا.

استغربتُ كلامه وسألته:

- وهل يجني بائع الفلافل والحمص مالاً أكثر؟

أجابني:

- أكثر بكثير.

ثم صرفني.

الصفحات