إعرف نفسك (روحك الإنسانية)، فالصدق ومواجهتها هو الخطوة الأولى للوصول إلى اليقين والسلامة في الشك والحيرة والضياع.
أنت هنا
قراءة كتاب موعد مع المصير
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 4
جـوهـر الحيـاة
إن حيوان الإسفنج الذي تمزقه الدوامات البحرية والأسماك المتوحشة ألف قطعة، ما تلبث كل قطعة منه أن تسبح مع الماء وتنمو إسفنجاً جديداً كاملاً.
قام البروفسور ويلسون أستاذ علم الحيوان بإجراء تجربة بديعة، مزق فيها الإسفنج نتفاً صغيرة بإبرة ثم طرقه بشدة بمطرقة ثم طحنه وهرسه وعصره في قماش دقيق الثقوب، ومن النخالة التي حصلت بعد هذا التمزيق والهرس والطحن، استطاع الإسفنج أن يتخلّق من جديد، من كل نقطة، ومن كل جزيء، وينمو إلى صورته السوية.
هذه القدرة الخارقة في الحياة على أن تعبئ نفسها وتحارب قوى التمزيق وتحافظ على وحدتها في ظروف تبعثرها وتشتتها في كل لحظة تدل على أن جوهر الحياة واحد بالرغم من تعدد الكائنات الحية وتنوعها، جوهر واحد لا يقبل التقسيم ولا التجزئة، جوهر مبثوث في كل جزء وفي كل خلية وبروتوبلازم، بحيث يصبح كل جزء قادر على أن يصبح كاملاً.. فالسكين التي قطعت الإسفنج لم تستطع أن تقطع جوهر الحياة فيه؛ لأن الحياة شيء بسيط منبث في كل الأجزاء الحية، إنه شيء لا يقبل القسمة.
كالإسفنج إن كثيراً من النباتات تنمو بالتقليم، فأي قلامة تقطع منها وتزرع، تنمو وتستحدث لها بنية جديدة وتعيد تخلّق كل الأجزاء التي تنقصها، مما يدل على أن كل جزء من النبات يحتوي بطريقة ما على كل تفاصيل النبات مطبوعة في باطنه تماماً كما يحتوي الجنين على صورة الإنسان بكامل أعضائه في خلاياه.
إذا قطعت قلامة من شجرة صفصاف وزرعتها فإنها ما تلبث أن تنمو شجرة كاملة. يخرج الجذر من طرف القلامة السفلى وتخرج الفروع من الطرف العلوي. وإذا قلبت هذه القلامة عاليها سافلها، خرجت الجذور من تحت والفروع من فوق. وهذا إنما يدل على أن كل نقطة في نسيج القلامة فيها إمكانية النمو إلى جذور وإمكانية النمو إلى فروع في الوقت نفسه. فالنبات يختار حسب وضعه - الجزء الذي يسفل تخرج منه الجذور والجزء الذي يعلو تخرج منه الفروع.
هذا يدل على أن جوهر الحياة جامع لكل الإمكانيات - إمكانيات الجذور وإمكانيات الفروع في الوقت نفسه - وأنه لا يقبل التجزئة. فهما جزآن النسيج الحي سيظل كل جزء جامعاً في وحدته لكل إمكانيات المخلوق الحي.
لهذا السبب كانت الحياة في مستوياتها الدنيا غير فانية. كانت الميكروبات لا تموت. كانت حينما تبلغ غاية النضج تنقسم، فيصبح كل قسم قادراً على النمو والنضج بذاته، ثم يعود فينقسم، فيصبح الواحد اثنين ثم أربعة ثم ثمانية ثم ستة عشر... إلخ، دون أن تنطفئ شعلة الحياة بشيخوخة أحدها.
ولم تظهر الشيخوخة والموت إلا بظهور الأنواع الراقية المعقدة من الحيوان والنبات وبظهور الخلايا الجنسية المعقدة المتخصصة في التكاثر ونقل الحياة من جيل إلى جيل.


