كتاب " الصراع الحضاري في الإبداع القصصي السعودي " ، تأليف د.
أنت هنا
قراءة كتاب الصراع الحضاري في الإبداع القصصي السعودي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
أُركز القول فأقول إن الصراع يُعد عنصراً أساسياً في العمل الأدبـي عامة والقصة على نحو خاص؛ إذ هو الدافع لإنشائها، كما أنه لم يزل يشكل نواة الالتقاء والاحتكاك بين الأحياء، بين الإنسان وذاته، وبين الحضارات المختلفة، فهو العامل الأول في تفعيل تلك الحضارات وإنمائها ومن ثم نقلها.
ومن هنا أجد الصراع الحضاري عنصراً قوياً في القصة العربية عامة، بسبب تفسيره الشامل لدوافع التنازع بين حضارتنا وغيرها من الحضارات في شتى الجوانب التاريخية والسياسية والاجتماعية والعلمية، فإذا أضيفت للقصة العربية سماتها السعودية وجدنا أنفسنا أمام صراع حضاري قوي، تحمله وترفده البيئة السعودية بمعطياتها في الدين والتاريخ والسياسة والاجتماع.
وتتميز المملكة العربية السعودية بموقعها الجغرافي ومقدساتها الدينية، إضافة إلى ثرواتها المتعددة مما يجعلها محطاً للاحتكاك بين الحضارة الإسلامية العربية والحضارات الأخرى، كما أن النهضة الشاملة التي شهدتها هذه البلاد أسهمت في احتكاك كثير من أبنائها بالحضارات الأخرى خلال الدراسة أو العمل في بلدان العالم المختلفة؛ فاتسعت دائرة الصراع الحضاري وتعددت اتجاهاته وظهرت جلياً آثاره.
ولا يتسع المجال هنا للحديث عن المؤثرات الحضارية في المملكة، ودورها في توجيه الأدب والفكر وأساليب الحياة، حيث سنعمد لذلك في موضعه عند عرض ودراسة النماذج القصصية السعودية، وتكفي الإشارة إلى أن الأدب السعودي قد خضع-كغيره من الآداب العربية والغربية- لعوامل ضخمة منوّعة، ومراحل انتقالية نامية جعلته يقف على قدميه ويُنضج ثماره في نفوس كتّابه[13].
والحضارة بحدّ ذاتها تُعدّ صراعاً قوياً مستمراً في حياة الإنسان عامة، فهي تركن للتغيير الذي فُطر الإنسان على تفاديه ومقاومته؛ يبعثه على ذلك خوفه من الخروج عن نظامي حياته ومجتمعه المألوفين، فالحضارة ما هي إلا نظام اجتماعي يُعين الإنسان على زيادة إنتاجه الثقافي المكوَّن من عناصر مهمة وهي: الموارد الاقتصادية، النظم السياسية، التقاليد الخُلقية، متابعة العلوم والفنون[14].
وبهذا لم يغب عن فن القصة السعودية إلقاء الضوء على الاحتكاك بين الذات العربية الإسلامية والآخر الحضاري، المتمثِّل في التعامل مع الفكر الحديث، وماديات الحضارة الغربية، وكافة نتائجها على الفرد والمجتمع، وأدرك الأدباء السعوديون ما يقع على عاتقهم من مسؤولية للتوفيق بين معطيات الحضارة والأصول التراثية والتاريخية للبلاد، والعمل من خلال الأدب ليواكب المجتمع التقدم المتسارع من حوله[15]، وأصبح العمل القصصي مزاحماً للشعر السعودي في رصد صراعات الذات الخارجية والداخلية، مع الحذر ومحاولة تحقيق التوازن بين القديم والجديد.
ولاشك أن الكاتب السعودي قد استشعر في ظل كل ذلك أهمية العمل القصصي، فعمل على إخراجه عن حدود الإصلاح والوعظ الاجتماعي؛ ليكون فناً مكثفاً بما فيه من صراعات عميقة وأحداث قوية وشخصيات ناضجة ولغة وأسلوب متناغمين، بل جعله فناً قادراً على استيعاب الصراع الدائم والمتطور بينه وبين نفسه أو مجتمعه، حيث اتسعت اهتماماته وتغيرت ملامح الحياة الاجتماعية من حوله، واكتنفتها القفزات الحضارية في مراحل متتالية دينياً واجتماعياً وسياسياً، وارتقت في خضم ذلك الحياة النفسية والقدرات الداخلية للكاتب، وكذلك أهدافه بل طبيعة عمله القصصي؛ فلم يعد مهماً لديه النقل الحرفي للواقع وتصوير جوانبه فوتوغرافياً، كما ارتفعت همته للبحث عما يعادل احتياجاته الجديدة وواقعه المتحضر.


