أنت هنا

قراءة كتاب رسائل خربر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
رسائل خربر

رسائل خربر

كتاب " رسائل خربر " ، تأليف سي.أس.

تقييمك:
4.66665
Average: 4.7 (3 votes)
المؤلف:
الصفحة رقم: 5

تذكَّر أنَّه ليس روحًا محضًا، كحالك أنت. فإذ لم تكن قطُّ آدميًّا (وهي مَزيَّة بغيضة اتصف بها العدوُّ!) لا تُدرِكُ إلى أيِّ مدًى يستعبدهم ضغطُ المألوف والمعتاد. كان لي ذاتَ مرَّة مريض، وهو مُلحِد راسخ، اعتاد أن يقرأ في المُتحَف البريطانيّ. وبينما هو جالسٌ يقرأ في أحد الأيَّام، رأيتُ في رأسه حَبل أفكارٍ بدأ يتَّجه في الوجهة الخطأ[2]. وبالطبع، حضر العدوُّ إلى جواره بلمح البصر. وقبل أن أتبيَّن موقعي، رأيتُ العمل الذي أنجزتُه طوال عشرين سنة يكاد ينهار. ولو فقدتُ صوابي وشرعتُ في محاولةٍ للدفاع من طريق المُحاجَّة والبرهنة، لذهب كلُّ جهدي أدراج الرياح. غير أنَّني لم أكن بهذه الغباوة. ففي الحال وجَّهتُ ضرباتي إلى جزء الرجُل الذي أُسيطر عليه أفضلَ سيطرة، فأوحيتُ إليه بأنَّ وقت الغداء قد حان. وقد أوحى إليه العدوُّ، على وجه الاحتمال، الإيحاءَ المضادَّ بأنَّ ما يقوم به أهمُّ من الغداء (وأنت تعرف كيف لا يستطيع الواحدُ منَّا البتَّة أن يَسترِق بسهولة سَمْع ما يقولُه عدوُّنا لهم!). على الأقلّ، أظنُّ أنَّ ذلك كان نَهجَهُ، لأنَّني حين قلتُ لمريضي: “كفى الآن! إنَّ سدَّ جوعك أهمُّ بكثير بعدما ولَّى الصباح وحلَّ الظُّهر،” انفرجت أساريرُه على نحوٍ لافت. وما إن أضفتُ: “أفضلُ جدًّا أن تعود بعد الغداء وتُقبِل على القراءة بذهنٍ مُنشَّط،” حتَّى كان قد بلغ الباب تقريبًا. وحالما وصل إلى الشارع، تحقَّق لي الفوز في المعركة. فقد أريتُه بائع صُحف يُنادي بصحيفة نصف النهار، وحافلةً رقمُها 73 مُقبلةً نحوه. وقبل بلوغه أسفل الدرج، كنتُ قد أدخلتُ في رأسه قناعةً راسخة بأنَّه مهما خطر في بال المرء من أفكار غريبة وهو في خَلوةٍ مع كُتبه فإنَّ جُرعةً سليمةً من “الحياة الحقيقيَّة” (وهو يعني بها الحافلة وبائع الصُّحف) كافية لأن تُريَه أنَّ “ما فكَّر فيه وخطر على باله” لا يُعقَل أن يكون صحيحًا. وقد علم أنَّه نجا بصعوبة، وفي سنين لاحقة شُغِف بالتحدُّث عن “ذلك الشعور الغامض والمُبهَم بالحقيقة، الذي هو حامينا الأسمى من ضلالات المنطق المجرَّد النقي”. وهو سالمٌ الآن في بيت أبينا.

أبَدأتَ ترى بيت القصيد؟ بفضل عمليَّاتٍ بدأناها فيهم منذ قُرون، يجدون من المستحيل تقريبًا أن يؤمنوا باللامألوف فيما المألوفُ نُصبَ أعيُنهم. شدِّد له دائمًا على اعتياديَّة الأُمور. وقبل كلِّ شيء، لا تحاول أن تستخدم العِلم (أعني العلوم الحقيقيَّة) كدفاعٍ في مواجهة المسيحيَّة. فمن شأن العلوم أن تُشجِّعه حتمًا على التفكير في حقائق لا يستطيع لمسها ورؤيتها. وقد حصلت حالات مؤسفة بين الفيزيائيِّين المُحدَثين. وإن كان لا بدَّ له أن يشتغل في العلوم على سبيل الهواية، فاحصره في مجال الاقتصاديَّات أو الاجتماعيّات، ولا تدعْه يبتعد عن تلك الحياة “الحقيقيَّة” التي لا تُقدَّر بثمن. ولكنَّ أفضلَ كلِّ شيء ألَّا تدعَه يقرأ شيئًا من العلوم، بل أن تغرس في ذهنِهِ فكرةً عامَّة عظيمة بأنَّه يعلم كلَّ علم، وأنَّ كلَّ ما قد التقطه بالصِّدفة خلال الأحاديث العابرة والقراءة العَرَضيَّة هو “نتائج البحث الحديث”. هلَّا تتذكَّرُ أنَّك موجودٌ هناك كي تُربِكه وتُشوِّشه! فمن الطريقة التي بها يتكلَّم بعضُكم، أنتم الشياطين الصغار، لا بدَّ لأيِّ شخصٍ من أن يفترض أنَّ عملنا هو أن نُعلِّم!

عمُّك المُحِبُّ

خُربُر

الصفحات