هذه الدراسة عبارة عن دراسة تأصيلية لمكانة النساء في العقائد اليهمسلامية. حيث اعتمدت على "التناخ" والعهد الجديد والقرآن، ثم على الآداب الكلاسيكية الأخرى، التي من شأنها أن توضح ما بَهُم في المصادر الأولية. ولن نعتمد إلا بالقليل على المراجع المعاصرة.
You are here
قراءة كتاب مكانة النساء في العقائد اليهمسلامية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 5
من النصّ "التناخي" السالف، نفهم ما يأتي: أولا- مثلما اتفق كل من (ءلوهيم) و(يهوه ءلوهيم) على ضرورة إيجاد تسوية بينهما، برزت في سرد كل منهما لروايته في عملية الخلق، فإنهما يتفقان أيضا على تحذير المخلوق/ المخلوقين (ءدم) و(حوه)، من منافستهما على مصدر الثروة: المعرفة والوعي والإدراك. وعندما يجرب المخلوق/ المخلوقان حظهما في المنافسة، ويُهزمان، ينفرد (يهوه ءلوهيم) في الاقتصاص منهما ويعاقبهما. ثانيا- جاء عقاب (ءدم) و(حوه) منسجما مع ما قام به كل واحد منهما في عملية المنافسة- نستثني الأفعى طبعا. فـ(حوه) التي أقنعت (ءدم) بمحاولة تحدي إرادة (يهوه)، حاولت أيضًا السيطرة على مصادر الثروة بمقدار أكثر من (ءدم)، لأنها هي التي كانت قائدته في هذه "المعركة". لذلك عندما عاقبهما (يهوه ءلوهيم)، صادر من (حوه) قدرتها على المبادرة، وألحقها بالرجل الذي لم يبادر أبدا، بل كان تحت تأثير (حوه). فقد حاكمها قائلا: "تَكْثِيراً أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ. بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَداً. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ انقيادك وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ". فجوهر العقاب هو: الانقياد والسيادة للرجل. أما عقاب الرجل (ءدم) فكان عقابا واقعيا بامتياز، كما ورد في نصّ الحكم: "بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكاً وَحَسَكاً تُنْبِتُ لَكَ وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا". أي أنه طرده من الحياة الآمنة المستقرة إلى حياة العمل والقلق. فعقاب "التناخ" للرجل والمرأة كما فهمناه في النصّ "التناخي"، هو الحد الفاصل بين المعرفة والوعي وعدمهما. أي أن (ءلوهيم يهوه) "التناخي" عاقبهما لوعيهما وتمردهما عليه عندما أكلا من شجرة المعرفة، ومارسا الجنس تعبيرا عن إحساسهما بذواتهما وإدراكهما لها.
نذكر أن الأفعى هي الصورة التي جاء وظهر بها الشيطان لـ(حوه). ورد في التكوين الكبير ما يأتي: "لأن حوه خُلِقت- خُلِق الشيطان معها" (التكوين الكبير 17 ). أي أن المعصية وتحدي الإرادة الإلهية، هي صفات ملازمة للمرأة والنساء. وعليه تم تجريدها من العديد من الصفات الإنسانية، واقتصارها على الرجل فقط. وقد توجهت الأفعى بالإغراء إلى المرأة، "[...] لأن النساء- سخيفات ويمتثلن لكل المخلوقات [...]" (التكوين الكبير 19).
أما ما جاء في إحدى الوصايا العشر، فإنه يكرّس مسخ إنسانية المرأة، واعتبارها جزءًا من ممتلكات الرجل، بدليل قوله: "لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ وَلاَ عَبْدَهُ وَلاَ أَمَتَهُ وَلاَ ثَوْرَهُ وَلاَ حِمَارَهُ وَلاَ شَيْئاً مِمَّا لِقَرِيبِكَ" (الخروج 20: 17). لأنه وضع المرأة (النساء عموما) في دائرة الممتلكات الخاصة، مثل الدواب والعبيد والإماء والأغراض الأخرى. لذا يحقّ للرجل بيع ابنته، كما جاء في "التناخ": "وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ ابْنَتَهُ أَمَةً لاَ تَخْرُجُ كَمَا يَخْرُجُ الْعَبِيدُ" (الخروج 21: 7).
أما صاحب المزامير فيوسع مسؤولية المرأة عن كل ما هو سلبي، حتى مسئوليتها عن الخطيئة الأولى، بدليل قوله: "إنّي في الإثم ولدت/ وفي الخطيئة حبلت بي أمي" (مزمور 51 : 7). ويؤكد يهوشع بن سيراخ ما جاء به صاحب المزامير، بدليل قوله: "مِنَ المَرْأةِ ابتَدَأت الخَطِيئَة وبسببها نموت نحن أجْمَعُون" (ابن سيراخ: 25: 33).
يعتقد كاظم الحجاج أن "الحية موجودة في الجنة بإرادة الخالق، إلى جوار [(حوه)] و[ءدم)]، وكأن مبرر وجودها الوحيد- بل خلقها أصلا- هو أن تؤدي دورها التحريضي في إنجاح تلك الخديعة الكونية، كانت ضحيتها حواء [(حوه)]، ومن ثم [(ءدم)]..وكأن الخطأ صار ملازما لحالة التزاوج الأولى تلك- أو محض الالتقاء بين ذكر وأنثى". ويضيف: "وهي خطيئة لا بدّ أن تقع، لاقترانها أصلا بمكونات الكائن البشري الذي ينطق ويفهم ما يقال ويفكر، ومن ثم يقرر.." (الحجاج؛ 2001: 16).
وننهي محور حديثنا هذا، بالقول: بعد أن خلق (يهوه/ ءلوهيم)- أي اليهودية- (حوه)، ليس لذاتها إنما لذات الرجل وله، قام بتحميل النساء مسؤولية المبادرة لتحديها لها، أي تحدي السلطة الدينية والزمنية الناشئة حديثا. فصادرت منها مصادر الثروة: الإرادة والحقوق والقوة (مسؤولية المبادرة)، وحكمت عليها حكما معاكسًا تمامًا، يضمن للرجال إعادة إنتاج أسباب الخلق: الانقياد والعبودية له. وفي مرحلة لاحقة كرّسها جزءًا من ممتلكاته، كما بدا واضحا في الوصايا العشر، ويحق للرجل بيعها أيضا. كذلك تم "تطوير" العقيدة الخاصة بالمرأة، فحملها مسؤولية الخطيئة الأولى . وهذا عمليا، هو قاعدة اللاهوت والفقه (العقيدة والشريعة) الخاصة بمكانة النساء في المجتمع والحياة العامة، وعلاقة الرجال بهم في اليهودية، كما سنرى.
______________________
- أصبح واضحا لدى باحثي "التناخ" النقديين أن اليهودية "التناخية" هي ديانة متعددة الآلهة. فـ"التناخ" يذكر عدة أسماء للآلهة، مثل: (يهوه) و(ءلوهيم).. و(ءِل) لكن كل واحد مهم له صفاته التي تختلف عن صفات الآخر. مثلا، يظهر "الإله" (يهوه) متجسدا كإنسان في عدة مواقع في "التناخ": قصة (يَعْقُب/ يعقوب) في (تكوين 32: 23- 31). ولم تتحول اليهودية إلى ديانة توحيدية، كما هي حال الإسلام في القرن الثاني عشر عند الفقيه موسى بن ميمون، المعروف بالـ"رمبام" نتيجة لتأثره بالإسلام وسجاله مع المسيحية، فقال: بـ"إن الله خالق ومدبر كل الخلائق وهو وحده عمل ويعمل وسيعمل كل الأعمال" (الرمبام- مِشْنَه توره، شوفطيم، سنهدرين الفصل العاشر). وسأقوم بشرح قضية التوحيد عند ابن ميمون في مقدمة تحقيقي للرسالة اليمنية له، والذي سيصدر قريبا. أما التوحيد فهو إسلامي بامتياز بدليل قول القرآن: "قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد" (سورة الإخلاص).
- ويعني: أدب كُتِب في فلسطين في القرون الميلادية الأولى. وتفسير لأعداد (آيات) سفر التكوين، ويهدف إلى سد الفراغ الموجود في القصص المختلفة، وتفسير ينبع من روح النصّ وليس من حرفيته.
- لمزيد من التفاصيل عن الخطيئة الأولى باليهودية، يمكن مراجعة: أميمة بنت أحمد بن شاهين الجلاهمة- الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام/ دراسة مقارنة- (ص 21- 105).


