You are here

قراءة كتاب سارة قصة الحب الخالدة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
سارة قصة الحب الخالدة

سارة قصة الحب الخالدة

رواية "سارة" للكاتب السعودي صالح بن ابراهيم السكاكر، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، قد تكون مثالاً واضحًا عن سعي الى الاتيان بجديد على صعيدي الاسلوب والمحتوى لكن الامر يتحول الى عكس ما هو مستهدف ويتحول الى ما يمكن وصفه بانه عبء على الكاتب والقا

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
المؤلف:
الصفحة رقم: 10
إني أبحث عن الإنسان
 
في قلب رجل كله أمان
 
في مكان ما وزمان 
 
أبحث أنا عن الإنسان ··
 
·· كنت أعيش في غبار من التعاسة والحزن حاولت الإفلات من قيودها، بالانكباب على القراءة أكثر وأكثر وبشكل أعمق، كذلك أصبحت أتأمل أكثر من ذي قبل، ومع كل يوم يمر زادت تلك التعاسة، وأصبحت واقعاً وليس غباراً يذهب ويعود! في أثناء ذلك صار واقعي منحصراً بين كتب وأوراق ومذكرات، منغمساً بل غارقاً بالفعل في عالم الكتب، فعند بلوغي سن السادسة عشرة، بلغ مخزوني الثقافي ونظرتي للعالم وللبشر كمستودع مُلء بأجود أنواع التمر، وتكدست فيه أشياء شتى، والغبار يلتصق بكل تمره هنالك! ومع ذلك لم أكن أملك القدرة على ترتيب كل تلك الأشياء وصياغتها على شكل مشروع ثقافي، فقد كنت أرى بوضوح مع كل كتاب أقرأه الفرق البارز بين الحياة التي أحياها هنا والحياة في الخارج، خارج قريتي، بعيداً عن النخيل!كنت أرى في تلك الحياة التي أعيشها منذ مات أبي فقراً عظيماً في العواطف والمشاعر، كنت لا أحس بأحد ولا أشعر بوجود أي كائن يمثل نموذج الحنان الأسري، كانت الإنسانية في ذلك الزمان كئيبة مملة تحمل في جنباتها أكبر معنى للحقارة، كنت أصم أذني عن سماع تلك الإنسانية، التي كانت لا تعني لي سوى واقع أليم بوجودي مع جدتي وعمتي!
 
·· ومع الأيام، وبسبب تعلقي الكبير بالقراءة، بدأ يطفو على سطحي نوع غريب من الخوف، أنه ذلك الخوف الذي لا أستطيع معرفته أو أن أحدد من أين هو، وكيف هو وإلى متى يكون! كثيراً ما أشعر بموت نفسي ويأس قادم يجعلني أموت على الرغم أني حي، كان ذلك الخوف يزداد من كوني فقدت من أحببته ومن أحبني وهو أبي، فصرت أخاف من فقد أي شيء أحبه وأتعلق به، فقد عشقت الكتب بشكل جنوني وصرت أتساءل كثيراً : هل تموت الكتب وتختفي كالبشر! لقد زرعت تلك الكتب في داخلي حقيقة جلية، وهي أني لست وحيداً على ظهر هذه الأرض، وأن هنالك على مقربة مني كتباً يقص فيها قصص حياتنا إنسان يحمل هموم الإنسان·· كانت تلك السنوات بين عمر الخامسة عشرة والسابعة عشرة، أكثر مراحل حياتي تأملاً وفهماً للحياة وهدوء روحاني، كنت أتأمل بشكل كبير هذا الوجود الذي أعيش فيه ويعيش فيّ! وبينما أنا أرقب جميع تلك الأشياء المحيطة في وجودي، من عدم حب جدتي لي وكره عمتي المتزايد يوماً بعد يوم لي، وموت أبي، وعدم اهتمام أمي أو سؤالها عني، ولدت في ذاتي أفكاراً جديدة تمتلئ ألغازاً، ولكنها تظل أفكاراً مهمة للاستمرار في الحياة، بدأت هذه الأفكار تتطور وتتخذ أشكالاً جديدة، وبدأ التفكير بمستقبل وطني ومصير شعبه العظيم أمام كل التحديات، التي تواجهه من قريب أو بعيد، من عدو أو صديق، هو شغلي الشاغل! كنت لأجل الوطن ألتهم الأوراق التهاماً، كنت لأجل الوطن أسرق الرطب حتى أشتري كتاباً! كنت لأجل الوطن أكذب على جدتي ولا أبين لها أني أقرأ! كنت لأجل الوطن أفكر ليلاً ونهاراً، هذا التفكير العميق أدى بي إلى معرفة فريدريك نيتشه، أعرفه جيداً حتى بدأت أثق به، إلى أن استولت فكرة غريبة في مخيلتي، فبدأت أشعر أني صاحب رسالة، وأن لي فضلاً وميزة معينة لا أعرفها ولا أدركها، ولكنها موجودة، ميزة بين جميع من أراهم أو أعيش بينهم! بسبب تلك الفكرة بدأ ينمو في ذاتي صراع آخر، صراع بين أن أعيش كإنسان اجتماعي أصادق، ألعب وأضحك، أعيش الحياة، وبين ما يجب عليّ عمله وفعله وقوله كصاحب رسالة! 
 
·· عشت نحو ثلاث سنوات مع نيتشه وكتبه مع هكذا تكلم زرادشت، العلم الجذل، هذا الإنسان، ميلاد التراجيديا، تأملات في غير أوانها، أمور إنسانيه إنسانية إلى أقصى حد، الضجر، بمعزل عن الخير والشر، أصل نشأة الأخلاق، أفول الأصنام، عدو المسيح، كنت آكل تلك الكتب أكلاً بلا شبع، و أعيد قراءتها مرة ومرتين وثلاث مرات ولا أمل منها! لقد كنت أقرأ له بقلبي وبروحي بل بكل ذرة من ذرات جسدي، كان نيتشه وما زال أستاذي الأول في الفلسفة، مع نيتشه تعلمت أن أكون مراسلاً وليس كاتباً، مراسلاً أنقل أخبار الناس، عواطف الناس، قصص الناس، حكايات الناس، آلام الناس، أوجاع الناس، فلسفة الناس، تعلمت أن أظل مراسلاً ينقل الأخبار من الناس للناس فقط! مع نيتشه عرفت متى وأين وكيف ولمن أتفلسف، مع نيتشه أدركت لم خُلق الحسد والحقد والظلم، حتى ينجح الإنسان المؤمن بقدراته، مع نيتشه تعلمت لماذا خُلق الأغبياء! حتى يبرز العظماء والأذكياء، مع نيتشه فهمت الحياة بشكل آخر، فهمت أن المرأة سبب فشل أو نجاح الإنسان لا أكثر من ذلك! مع نيتشه بدأت أعرف أدوات الفلسفة، بدأت أتفلسف وكتبت مره متفلسفاً :
 
 إنك لا تستطيع أن تكون إلا كما أريد لك أن تكون!!
 
·· إنك تستطيع أن تتظاهر بالذكاء كما تحب وكما تشاء، ولكنك لا تستطيع أن تكون ذكياً إلا إذا أريد لك ذلك! إنك لا شيء! تريد وتريد وكل شيء محسوم وأريد لك! إنك تستطيع أن تتظاهر بأنك محترم أمام أصدقائك، أمام أهلك، أمام أعدائك، أمام منافسيك، ولكنك مهما حاولت وحاولت لن تستطيع أن تتظاهر بالاحترام أمام ذاتك؛ لأنها الوحيدة القادرة على فضح كذبك وادعائك المزيف؛ لأنها تعرف جيداً ما يدور في داخلك أيها المتظاهر، أيها الكذاب، أيها المتغابي للناس! إنك تستطيع أن تخلق لك إمبراطورية يعشقها الناس وتعشقها الأوطان، ولكنك أيها المتظاهر لا تستطيع أن تجعل من تلك الإمبراطورية التي خدعت بها الناس، صغيرهم وكبيرهم، لا تستطيع أن تجعلها كائنة أمام ذاتك؛ لأنها تعرف أنك تكذب! إنك تريد أن تصبح كذا وكذا، تريد أن تكون الفاهم الذكي القادر على إدراك كل شيء، ولكنك مهما أردت ومهما كان خيالك واسعاً في مجال الإدراك؛ فلن تستطيع أن تكون إلا كما أريد لك! إنه لكثير من البشر هم الرموز، هم المثل العليا، هم الأذكياء والناجحون والفاهمون لكل شيء، هم كذلك في أعين الناس، لكن الحقيقة التي لا يدركها أحد إدراكاً ثاقباً: أن أولئك الأذكياء المدركين لكل شيء هم أغبى الأغبياء، وأن إدراكهم لذكائهم ونجاحهم المصطنع لم يأت إلا من خلال فكرة غبية؛ وهي أن الكاذب عند تكرار كذبته تأتي له لحظة ويشعر أنه أصدق الصادقين، وأن تلك الحادثة أو المجد المختلق لم يكن من صنع الخيال وإنما هو كائن بذاته! أن أولئك الذين يدعون أنهم المثل العليا في المجتمع والمثل العليا لثقافاتهم هم كذابون، فقد كذبوا وصدقوا كذبتهم مع تكرارها المستمر! إنك تستطيع بكل بساطة أن تتظاهر بأنك غني جداً ولكنك مهما حاولت لن تقدر أن تكون كذلك؛ لأنك بكل بساطة لا تستطيع أن تكون إلا كما أريد لك أن تكون لا كما أردت لنفسك! إننا نعيش ونريد كذا وكذا، والحقيقة أن كل شيء مراد لنا ومنته، ونحن نؤدي دور ممثل أريد له كذا، ومهمته أن يؤدي دوراً معيناً أي أنه أريد له كذلك ولم يكن هو كذلك أبداً! إننا نُخلق لنؤدي دور ذلك الممثل الذي يؤدي الدور المناط به داخل الفقرة! إن حياتنا ما هي إلا فقرة داخل مسلسل قد يطول أو يقصر! إننا نؤدي الأدوار إجباراً لا اختياراً! هل نحن نريد أن نكون مظلومين أو ظالمين! لا أظن ذلك وإنما نريد أن نكون مسالمين سعداء، لكن الحقيقة أنه أريد لنا ذلك ونحن نؤدي ذلك الدور المناط بنا! إننا أشبه بذلك الماء الذي يُعمل له مجرى معين، وإذا رغب بالتمرد فمصيره التشتت الذي يعني الفناء ·· فهل أحد منا يتمرد أم لا؟! ··

Pages