You are here

قراءة كتاب تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية

تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية

يعد مصطلح الحروب الصليبية نتاج عدد من التطورات التاريخية، والمفارقات الغريبة المدهشة في التاريخ الأوروبي وفي التاريخ العربي على حد سواء.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
المؤلف:
الصفحة رقم: 2
وعلى الرغم من هذا كله فإننا لا نستطيع بسهولة التغاضي عن هذا المصطلح الذي رسخ في الدراسات التاريخية العربية، وأصبح له مدلول تاريخي لدى المتخصصين، لسبب بسيط هو أنه لم تجر حتى الآن مناقشة جماعية لتحديد ماهية «الحركة الصليبية» من وجهة النظر العربية. ولا يزال المصطلح غامضا بالنسبة لعامة المثقفين في العالم العربي، بحيث يستدعي إلى الذهن بعض الأحداث أو الشخصيات البطولية التي ارتبطت بهذه الأحداث وحسب.
وسوف نحاول هنا تحديد الخطوط العامة لماهية «الحركة الصليبية» من خلال مناقشة الجذور التاريخية للفكرة الصليبية، وتتبع تطورها التاريخي في العقلية والوجدان الأوربي بسماته الثقافية المعروفة في العصور الوسطى.
لقد كانت الأفكار التي تدور حول نهاية العالم بعد الألف الأولى من معاناة المسيح على الصليب، والأفكار التي تتعلق بالعالم الآخر، أحد ينابيع الفكرة الصليبية. فقد شاعت في أوربا الغربية قبل نهاية القرن العاشر الميلادي وفي بداية القرن الحادي عشر الميلادي أفكار وحكايات وقصص وأساطير تتحدث عن قرب نهاية العالم مع اكتمال الألف الأولى بعد المسيح (حوالي سنة 1033 ميلادية). وقد ظهرت في عدة أماكن في أوربا الغربية بعض الظواهر الفلكية والطبيعية التي اعتبرها الناس دليلا على اقتراب نهاية العالم. فقد حدثنا «رالف جلابير» الراهب الفرنسي عن ثورة بركان فيزوف في ايطاليا باعتبارها نذيرا باقتراب القيامة، وبأن زمن هلاك وشيكا يتهدد أرواح البشر، كما تحدث عن مجاعة رهيبة استمرت خمس سنوات في شتى أنحاء العالم الروماني، بحيث لم ينج إقليم واحد من مجاعة نقص الخبز، ومات كثيرون يسبب الجوع. وقال إن الأوربيين اضطروا إلى أكل الحيوانات والزواحف القذرة، كما أكلوا لحوم البشر. كما تداول الناس في غرب أوربا كثيرا من القصص والحكايات المشابهة وفسروها التفسير نفسه.
لقد كان مفهوم الأوربيين آنذاك مثقلا بالعناصر الغيبية، إذ كانت العقيدة الكاثوليكية عشية الحروب الصليبية لا تزال بعيدة عن تحديد إطارها بشكل متكامل، ولم يكن الأساقفة والقساوسة، غالبا، يصلحون لوظائفهم، سواء من حيث مستواهم الفكري، أو من حيث سلوكهم وأخلاقهم، كما أن الغرب الأوربي ظل حتى ذلك الحين ريفي الطابع، وكان الدين بالنسبة لسكانه (وهم أغلبية سكان أوربا آنذاك) مزيجا من الخرافة، وطقوس عبادة الطبيعة، وبعض تعاليم المسيحية.
وفي ظل هذا الجو النفسي والفكري الذي ساد أوربا الكاثوليكية في القرن الحادي عشر الميلادي، كان طبيعيا أن ترد الظواهر الطبيعية إلى قوى غيبية من ناحية، وأن يتم ربطها باقتراب نهاية العالم والأفكار الألفية والأخروية من جهة أخرى. فقد كثر الحديث عن السماء التي تمطر نجوما هنا أو هناك، وراجت حكايات عن الأنوار الشمالية المبهرة، والشهب الملتهبة في السماء، كما شاعت أخبار الأطفال الذين يولدون بأربع أيد أو مثلها من الأرجل، وقصص عن أطفال تكلموا عقب ولادتهم. وتناقل القرويون وغيرهم حكايات عن مدينة القدس وهي تتجلى في السماء متلألئة أمام عيون الرعاة المبهورين، وذلك القس الذي رأى سيفا معلقا في السماء تحمله الريح، والقس الآخر الذي رأى في صفحة السماء، وفي وضح النهار، معركة بين فارسين ينتصر أحدهما على الآخر بعد أن يضربه بسيف كبير.. وحكايات كثيرة صدقها البسطاء، وحاول المتعلمون أن يفسروها في ضوء ما اعتبروه علامة على قرب نهاية العالم.
لقد كان الناس الذين سيطرت على وجدانهم آنذاك المشاعر الألفية والأخروية تواقين لضمان الخلاص. وقد تحولت مشاعرهم هذه إلى التأكيد على ضرورة الرحلة إلى بيت المقدس، وقد انعكس ذلك في زيادة عدد الرحلات التي قام بها الحجاج من غرب أوربا صوب القدس في السنوات القليلة التي سبقت وتلت الألف الأولى بعد ميلاد المسيح. ولا يمكن لمن يقرأ أدبيات القرن الحادي عشر الميلادي أن يخطئ تلك النغمة الألفية والأخروية التي كانت بمثابة الإيقاع الدال في الفكر والمشاعر السائدة آنذاك.
ومما يلفت النظر حقا أن هذه الرؤى والأحلام المقدسة والأخبار الإعجازية قد تضاءلت أخبارها بعد أن دارت عجلة الحروب الصليبية بالفعل، إذ شاعت تلك الأخبار والحكايات قبل رحيل الحملة الصليبية الأولى وأثناءها. وطالما كانت الظروف والأحوال مواتية للصليبيين لا نجد في مؤرخات اللاتين الذين كانوا ضمن شهود الحملة إلا القليل من هذه الأخبار. فإذا تأزمت الأمور وضاقت السبل بالصليبيين ظهرت أخبار المعجزات والخوارق والأحلام الدينية في الوقت المناسب، على نحو ما حدث أثناء حصار إنطاكية المزدوج سنة 1098م. ومن المثير حقا أن من تنسب إليهم تلك الأحلام الدينية والرؤى المقدسة كانوا دائما من الفقراء. وفيما بين سنة 1096م وسنة 1098م لا نجد في المصادر اللاتينية سوى أخبار قليلة عن هذه الرؤى والأحلام.
بيد أن النظرة الأخروية صاحبت الحملة الصليبية منذ بدايتها، لا سيما عندما كان الفقراء يتصورون أنهم المقصودون بهذه الدعوة. فقد تبلورت فيهم الأفكار الألفية والأخروية، فساروا صوب القدس دون انتظار الأمراء وفرسانهم الذين كانت تعوزهم فسحة من الوقت لتمويل الحملة. وكانت أخبار الإشارات المقدسة مثل: هجوم الجراد بشكل وبائي، والنجوم التي أمطرتها السماء، وغيرها من الأخبار التي تداولها الناس آنذاك، ترتبط بما جاء في سفر الرؤيا، وكانت تدور على ألسنة البسطاء والمتعلمين في غرب أوربا الكاثوليكية باعتبارها حقائق.
ويخبرنا «بلدريك الدوللي» أن هذا الجو الذي ارتبط بسفر الرؤيا لم يكن نتيجة الدعوة الرسمية التي وجهتها البابوية إلى الفرسان الإقطاعيين للمشاركة في الحملة الصليبية، وإنما كان نتيجة استجابة الفقراء السريعة التي نجمت عن معاناتهم بسبب تدهور المحاصيل في السنوات القليلة التي سبقت خطبة البابا أربان الثاني. إذ كان من السهل عليهم أن يرحلوا عن بلادهم بحثا عن خلاصين: دنيوي وأخروي، وبحثا عن سبيل يوصلهم إلى مستقبل أفضل، وهو مستقبل حمّلته الجموع الجاهلة بأحلام أخروية غامضة. ولاشك في أن أغلبية أولئك الفقراء كانوا يؤمنون بأنهم المختارون، ولأنهم كانوا يؤمنون بهذا، لم يترددوا في الضغط على قادة الحملة الصليبية الأولى.
ومن ناحية أخرى فإن زعماء مثل ريمون دي سانجيل قد استثمروا هذه المشاعر الألفية والأخروية التي سادت بين عامة الصليبيين لحسابهم، على نحو ما فعل هذا الأمير الصليبي في قصة اكتشاف «الحربة المقدسة».
بيد أنه ينبغي علينا أن لا نبالغ في قيمة الأفكار الألفية والأخروية. ويأتينا الدليل من الحوليات والمؤرخات اللاتينية التي ساهم كتابها أنفسهم في صياغة الأيديولوجية الصليبية، فقد كتب أولئك المؤرخون جميعا بعد نهاية أحداث الحملة الصليبية الأولى ونجاحها، وهو ما يعني أنهم كانوا يتوخون أن يصوغوا نموذجا مثاليا يكون عامل جذب دائم في حالة الدعوة إلى حملة صليبية جديدة على غرار الحملة الأولى، ولم يكن الذين ساهموا في الحملة الصليبية الأولى يعرفون أنها «الأولى»، أي ستتبعها حملات أخرى، إذ لم يكونوا واثقين من نجاحها بحيث تتبعها حملات أخرى. ولكنها عندما نجحت أخذ المؤرخون يكتبون قصتها بعد توقف الأحداث، فصاغوا نموذجا مثاليا لها.
وعلى الرغم من أن هذه الأفكار والتوقعات التي دارت حول اكتمال الألف الأولى في التقويم المسيحي، وما أفرزته من أخبار المعجزات والخوارق والأحلام المقدسة كانت من روافد الأيديولوجية التي صاغت الحملة الصليبية إلا أنها في النهاية لم تكن عامل الحسم في الوصول إلى صيغة الحملة الصليبية، وإنما كان الفضل في ذلك راجعا إلى تسليح الحج المسيحي من ناحية، وفكرة المكافأة التي ينالها الصليبي من ناحية أخرى. وقد تمثلت هذه المكافأة في مفهوم الغفران الصليبي الذي تطور ليصل إلى صكوك الغفران التي ثار ضدها مارتن لوثر بعد قرون قليلة.

Pages