يعد مصطلح الحروب الصليبية نتاج عدد من التطورات التاريخية، والمفارقات الغريبة المدهشة في التاريخ الأوروبي وفي التاريخ العربي على حد سواء.
You are here
قراءة كتاب تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية
الصفحة رقم: 4
وإذ أرست الكنيسة الكاثوليكية الاعتقاد بأن رحلات الحج هي طريق الخلاص تزايد إقبال الناس على المشاركة فيها منذ القرن العاشر الميلادي فصاعدا. وقد قام عدد من كبار القوم، رجالا ونساء، بعدة رحلات إلى الأراضي المقدسة على الرغم من صعوبة السفر، ووعورة الطرق وأخطارها آنذاك، وهذا ما يجعلنا نعتقد بأن الناس قد ربطوا بين الحج إلى الأرض المقدسة والأمل في الغفران.
ومن ناحية أخرى كانت للحج المسيحي بقصد التوبة قيمته العملية من الناحية الاجتماعية، إذ كان يرغم المجرمين وأصحاب الذنوب على الابتعاد عن المجتمع عدة شهور، أو عدة سنوات (قد تصل إلى سبع سنوات) فإذا نجوا من مخاطر الطريق وعادوا سالمين فإنهم لا بد من أن يحرصوا على وضعهم المتميز الذي حققته رحلة الحج وعلى شهرتهم الطيبة بالتقوى والصلاح. وقد ذهب رجال من أصحاب المزاج العنيف مثل «فولك نيرا الرهيب» إلى فلسطين سنة 1002م ، وزارها مرتين بعد ذلك تكفيرا عن ذنبه، كما زارها روبرت الشيطان كونت نورماندي بقصد التوبة.
لقد اضطرت الكنيسة الكاثوليكية إلى منح غفران جزئي لقاء رحلة الحج إلى القدس. وفي عز ازدهار الحركة الصليبية كانت الكنيسة تمنح غفرانا غير محدود للصليبيين «المقاتلين» في مقابل الغفران الجزئي الذي كانت تمنحه للحجاج غير المقاتلين.
ولم يكن من الممكن أن يتسع نطاق رحلات الحج التكفيرية سوى بوجود تسهيلات مناسبة في الطرق التي يسلكها الحجاج. وقد وفرت الأديرة الكلونية شبكة اتصالات واسعة، كما استخدمت قدرتها التنظيمية الفائقة في ترتيب التسهيلات للحجاج الذاهبين إلى فلسطين. وقد تبرع أثرياء التجار الإيطاليين والأوربيين والأغنياء بالإنفاق على دور الضيافة والمنازل التي كرست للحجاج القادمين من بلدان غرب أوربا. وفي كل عام كانت أوربا تشهد قدوم عدد من الرهبان المقيمين في القدس لجمع التبرعات من الأثرياء، لتوفير التمويل لهذه المنازل ودور الضيافة.
وفي القرن الحادي عشر الميلادي كان قد استقر في ضمير الناس في غرب أوربا أن رحلة الحج تتويج لحياة المرء يتمنى المتدينون أن تكون هي الخاتمة المناسبة لرحلتهم في الحياة الدنيا. وقد أمدنا رالف جلابير، الذي كان هو نفسه راهبا من الكلونيين، بنص يجسد هذه الرؤية، إذ يقول: في الوقت نفسه بدأت أعداد تفوق الحصر تتوجه إلى ضريح المخلص في القدس من شتى بقاع الدنيا، وبأعداد أكبر مما كان يتوقعه أي إنسان. ولم يكن الذاهبون من العامة وأبناء الطبقة الوسطى فقط، بل ذهب إلى هناك كثير من الملوك العظام والكونتات والنبلاء. وأخيرا - وهذا شيء لم يحدث قبل ذلك - انطلق بعض الفقراء وكان العديدون يتمنون الموت هناك، بدلا من العودة إلى الوطن.
وفي القرن الحادي عشر الميلادي كثرت رحلات الحج التكفيرية من غرب أوربا إلى القدس، فقد كانت الكنيسة تفرض على المذنبين، ومن أضروا بمصالح الكنيسة، ومن ينتهكون «سلام الرب» رحلة حج إلى فلسطين تكفيرا عن ذنوبهم. وقد تزايد عدد الحجاج التائبين في هذا القرن بحيث صار الحج من أهم روافد الفكرة الصليبية. وطوال القرن الحادي عشر الميلادي وحتى العقدين الأخيرين منه كان تيار الحج لا يزال يصب باتجاه الشرق. وفي بعض الأحيان كانت مجموعات الحجاج تصل إلى عدة آلاف من كل عمر وكل طبقة، وكل منهم على استعداد ليقضي سنة أو أكثر في هذه الرحلة. ومن الواضح أنه منذ منتصف القرن الحادي عشر الميلادي بدأت المصاعب تزداد أمام رحلات الحج الكاثوليكية إلى فلسطين . وكان من أسباب ذلك الغزو السلجوقي الذي وضع القدس تحت سيادة الأتراك السلاجقة في سنة 463هجرية/1071م ميلادية عندما نجح القائد السلجوقي أتسيز، العامل في خدمة السلطان ملك شاه، أن يستولي على الرملة وطبرية وبيت المقدس، ويعيدها إلى السيادة الإسلامية للخلافة العباسية بعد أن كانت تحت الحكم الفاطمي منذ دخولهم بلاد الشام في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). وقد أستردها الفاطميون بعد خمس سنوات ولكن أتسيز طردهم منها بعد حصار دام عدة شهور ومذبحة رهيبة.
ويبدو أن المشكلات الأمنية الناجمة عن توغل السلاجقة في بلاد الشام في ذلك الحين قد تركت آثارها السلبية على الحجاج الكاثوليك المسافرين عبر الأناضول. بيد أن الجماعات الكبيرة من الحجاج المسلحين كانت أيضا من أسباب المتاعب التي لاقوها آنذاك. فقد أقلقت السلطات الإسلامية المشاكل التي كانوا يثيرونها اعتقادا منهم بأنهم كلما تعرضوا لمزيد من الأذى والمتاعب كانت رحلتهم أكثر نجاحا. وفي رأي البعض أنه ربما كان المسلمون يفيدون تجاريا من ازدهار الحج المسيحي إلى البلاد المقدسة. ولكن الدخل الذي كانت السلطات الإسلامية تحصل عليه من الحجاج الكاثوليك كان تافها بالقياس إلى موارد المسلمين الهائلة آنذاك، ولا سيما إذا وضعنا في اعتبارنا أن التقشف كان أحد المثل العليا التي يسير الحجاج على هديها تشبها بالحواريين.
وثمة أسباب قوية تدفعنا إلى الظن بأن الحج إلى بيت المقدس، في الفترة السابقة على عصر الحروب الصليبية كان يحظى بتقدير كبير في مجتمعات أوروبا الغربية، ويرى البعض أن الحملة الصليبية كانت التطور المنطقي للحج المسيحي إلى فلسطين، إذ لم تكن فكرة الحملة الصليبية لتطرأ على بال أحد لو لم تكن رحلات الحج الكاثوليكية قد استمرت منذ فترة مبكرة وحتى أواخر القرن الحادي عشر الميلادي. ذلك أن تيار الحج المستمر كان لا بد من أن يؤدي بالضرورة إلى فكرة أن الأرض التي شهدت قصة المسيح، وفيها ضريحه، لا بد من أن تكون تحت سيطرة أتباعه، ولم يكن السبب هو الرغبة في حل المشكلات والصعوبات العملية التي كانت تواجه الحجاج الكاثوليك، ولكن لأن أوربا التي بدأت تشعر بقوتها رفضت بقاء أرض المسيح بأيدي المسلمين الذين صورتهم الدعاية الكنسية في صورة الكفار المتوحشين. وكانت الفكرة التي ملكت عقول أبناء الغرب الأوربي في أخريات القرن الحادي عشر الميلادي، هي فكرة تخليص الأرض المقدسة من المسلمين. وقد أدى هذا بالضرورة إلى بروز أهمية القيام بحملة حج مسلحة (وهي الحملة الصليبية) لتحقيق هذا الهدف.
ومن الأمور ذات الدلالة أن المعاصرين لم يفرقوا أبدا بين الحج والحملة الصليبية على نحو ما تكشف روايات المؤرخين اللاتين، إذ كان الخط الفاصل بينهما رقيقا للغاية.
لقد كانت الفكرة الحاسمة في كليرمون سنة 1095م هي عسكرة الحج، وإضفاء طابع القداسة على هذه الممارسة في الوقت نفسه. وكان الصليبي في حقيقته حاجا من طراز خاص، إذ كان حاجا يتمتع بامتياز حمل السلاح. حقيقة أنه كان أعلى درجة من الحاج المسالم، بيد أن الاختلاف بين الصليبي والحاج كان اختلافا في الدرجة فقط، ولم يكن اختلافا في الجوهر. وكانت تلك هي رؤية المعاصرين أيضا. فقد كان السيف الذي يحمله الصليبي مباركا من الكنيسة باعتباره جنديا في جيش المسيح، كما كانت سائر مهمات الحاج التقليدية تحظى بمباركة الكنيسة. وقد يبدو هذا الأمر أكثر وضوحا إذا عرفنا أن زعماء الحملة الصليبية الثالثة، وفيليب أغسطس ملك فرنسا، قد تلقوا مهمات الحجاج التقليدية وهي العصا والتصريح عندما انطلقوا في سبيلهم لقتال صلاح الدين الأيوبي.
لقد صارت كلمة «جندي المسيح» في القرن الثاني عشر الميلادي تعني «صليبي» على حين توارت كلمة «حاج» التي استخدمها المؤرخون الذين عاصروا الحملة الأولى رويدا رويدا. وهنا ينبغي أن نتذكر أن أحد المؤرخين قال على سبيل المثال وهو يتحدث عن أهل مقدونيا: «لم يصدقوا أننا حجاج، ولكنهم ظنوا أننا جئنا لنهب أرضهم وقتلهم».

