كتاب "الإعلام الصهيوني وأساليبه الدعائية"؛ للكاتب الدكتور محمد علي حوات، الصادر عام 2006 عن "مكتبة مدبولي"، إن الخطوة الأولى في هذه الدراسة هي أن نضع أيدينا على طبيعة الإعلام الصهيوني وأساليبه الدعا
قراءة كتاب الإعلام الصهيوني وأساليبه الدعائية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
4 - أن التحريف قد يتناول قصة ما لتبرير وضع اجتماعى أو سياسى ظالم سار عليه بنو إسرائيل فى مرحلة ما من مراحل تاريخهم .
فمن ذلك أن قصـة نوح مع ابنه التى حدثنا عنها القـرآن إذ يقـول : ( وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكَافِرِينَ* قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ)(22) ، قد حرفها سفر التكوين تحريفا كبيراً إذ يذكر أن حاما بن نوح قد رأى أباه وهو سكـران مكشوف العورة، فسخر منه، فلما أفاق نوح من سكره، وعلم ما كان من ابنه حام، دعا على ذريته، وهم الكنعانيون، بأن يكونوا عبيداً لعبيد أبناء ولديه الآخرين سام ويافث(23). ويقصد الذين حرفوا هذه القصة إلى هذا الوضع الغريب، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، أن يبرروا الأوضاع الشاذة الظالمة التى كان يسير عليها بنو إسرائيل حيال الكنعانيين إذ يقتلون رجالهم ويسبون نساءهم وأطفالهم ويتخذون منهم عبيداً وإماء، زاعمين أنهم بذلك يحققون دعوة نوح عليهم ويرجعونهم إلى الوضع الذى كتب عليهم فى الأزل أن يكونوا عليه(24) .
5 - وفى كثير من قصصهم الواردة فى عهدهم القديم بوجه عام، وفى تلمودهم المزعوم بوجه خاص، من المتناقضات والمفارقات والغفلة عن حقائق سبق إيرادها والخطأ فى جمع الأرقام وفى الحساب ... ما يجل عن الحصر بمكان ذكرها فى دراسة مختصرة كهذه الدراسة .
إن إلحاح الأحبار القدامى ومن بعدهم الفكر الصهيونى على إقناع الناس بأن هذه هى التوراة ( الكتاب المقدس ) الموحى به قد لاقى أول تحرك إعلامى قامت به الصهيونية فى طورها القديم، وزيادة فى هذا الإلحاح ظهر كتاب " التلمود " وأحيط من جانب الإعلام الصهيونى القديم بالجو الذى جعل منه سنداً فى نظر اليهود على أن لهم " قومية " ضائعة يسعون إلى وجودها.. وقد ركز الإعلام الصهيونى عن طريق هذين الكتابين وما تفرع عنهما من مخترعات الفكر الصهيونى على ما يأتى :
( أ ) أن اليهود دين وقومية .
(ب) أن اليهود هم شعب الله المختار .
(جـ) أن هناك شيئا اسمه أرض الميعاد .
( د ) أن المقصود من أرض الميعاد، هو الانطلاق إلى سائر الأجواء العالمية .
(هـ) أن ثأر اليهود من غيرهم فضيلة .
( و ) أن المفاهيم الخلقية المقررة عند غير اليهود ليست من المفاهيم الصحيحة للأخلاق التى يتبعها اليهود .
( ز ) أن العلاقات الإنسانية سواء بين جماعة وجماعة أو بين المرأة والرجل لابد أن تأخذ صورة أخرى غير ما اصطلح عليه الآخرون، وأن بعض المحرمات فى هذه العلاقات مباح لليهود وحدهم، ولا بأس من نشر هذه الإباحة بين الأخوين ما وجد اليهود سبيلا إلى ذلك لإحكام قبضة اليهود على غيرهم(25).
ويتضح من تركيز الإعلام اليهودى ( الصهيونى ) القديم على هذه النقاط السبع سالفة الذكر إنه كان موجهاً فى بداية الأمر إلى الأجيال اليهودية ذاتها ؛ غير أن الفكر الصهيونى مع مرور الوقت اتجه إلى محاولة جديدة ظهرت منذ حوالى خمسة قرون بظهور الحركة التى أطلق عليها حركة الإصلاح الدينى عند المسيحيين وهى الحركة التى قام بها "مارتن لوثر " وأسفرت عن ظهور المذهب البروتستانتى . من خلال هذه الحركة ظهر أول اختراق واقتحام إعلامى دينى قامت به الحركة الصهيونية القديمة . عندما أخذت بكل مظاهر التأييد لحركة مارتن لوثر حتى اطمأن البروتستانت إلى هذا التأييد اليهودى وهذا الاطمئنان البروتستانتى هو الذى مكن الإعلام الصهيونى القديم من إقحام ونشر أساطيره فى هذه الحركة ونتيجة لذلك الاختراق تمكن الإعلام الصهيونى القديم أن يوجد جواً من التعايش بين الفكر الصهيونى وبين بعض جوانب الفكر المسيحى عند بعض الطوائف الغربية، وهو التعايش الذى استغلته الصهيونية فى إعلامها الدينى على نطاق واسع(26). إن هذا التعايش قد أدخل الإعلام الصهيونى إلى مرحلة تسييس الإعلام ليصبح الإعلام صهيونى ذات طابع دينى. ومن أبرز أعمال هذه المرحلة أن أوجدت عملين إعلاميين، سرى وعلنى : الأول إعلام سرى موجه إلى اليهود على وجه التحديد، والعمل الثانى عمل إعلامى علنى موجه إلى المسيحيين بالذات: وقد اختار الإعلام الصهيونى لكل من هذين العملين الوقت الملائم له.
العمل الأول : هو وضع دستورى سرى للحركة الصهيونية تعمد الخلط بين الأساطير الدينية والأهداف السياسية، وهو الدستور الذى كلف زعماء الصهيونية أحبارهم بوضعه سراً فى نهاية القـرن التاسع عشـر، ويعرف باسم " بروتوكولات حكماء صهيون " . وقد بلغ شذوذ ما تضمنه من قوانين بالنسبة لغير اليهود، وحتى بالنسبة لليهود غير الصهاينة الحد الذى جعل الإعلام الصهيونى نفسه يتبرأ ويقوم بحملة إنكار عندما ظهرت مجموعة صغيرة من نسخ هذا الكتاب فى أيادى غير يهودية .
العمل الثانى : وهو وضع كتاب فلسفى جديد فى أعقاب قيام دولة إسرائيل يقصد به توجيه الرأى العام المسيحى، وخاصة فى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كتبت هذا الكتاب الكاتبة الصهيونية " روزمارين " بعنوان " البقاء اليهودي " وطبع ونشر فى نيويورك عام 1949م وتدور الفكرة فى هذا الكتاب وهى الفكرة الصهيونية ومفادها من أن يبقى اليهود - بقاءهم على النحو الذى يرونه ويصورونه إنما هو ضرورة تاريخية لصالح المجتمع البشرى.


