كتاب " ايديولوجية العولمة " ، تأليف مازن منصور كريشان ، والذي صدر عن دار آمنة للنشر والتوزيع عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب ايديولوجية العولمة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

ايديولوجية العولمة
ويمكن اجمال الثورة الفكرية في القرن الثامن عشر في اربعة عناصر اساسية (30) :
(1) احلال الطبيعة محل ما وراء الطبيعة، والعلم محل اللاهوت والافتراض بان العلم المادي يقوده ويسيطر عليه القانون الطبيعي.
(2) السمو بالعقل البشري الذي يجب ان يستخدم لاكتشاف القوانين الطبيعية وتكييف حياة الفرد بحسبها.
(3) ان استخدام العقل والتفكير وطاعة القانون الطبيعي يؤدي الى التقدم السريع وبلوغ الكمال في النهاية.
(4) الاهتمام بحقوق الانسان والسعي من اجل تكوين مجتمع انساني افضل (31).
هـ. مفهوم الايديولوجية لدى الماسونية (32) .
ساعد انتشار (الدين الطبيعي) Deism في ظهور الماسونية وانتشارها في انكلترا في مطلع القرن الثامن عشر ومن ثم انتشرت في جميع انحاء العالم وساهمت في نشر الالحاد في كل مجالات الحياة، ومن رحم الماسونية المتهودة ولدت الأيديولوجيات المعاصرة التي اتجهت فيها الفلسفاتالاجتماعية نحو منعطف جديد وخطير حيث اصبحت أيديولوجيات تغيير وقدرة على ابراز الاهداف وتحريك المشاعر وتهيئة الحركات والثورات (33) .
ومن ابرز واهم ما حققته الماسونية في مجال التنظير الايديولوجي وتطبيقاته على ارض الواقع ما يلي:
(1) تهويد الكنيسة من خلال الحركة الصهيونية المسيحية (34) هذه الأيديولوجية التي انتعشت مع حركة الاصلاح الديني في القرنين السادس عشر والسابع عشر ثم بلغت ذروة نشاطها في القرن التاسع عشر في انكلتـرا ثم انتقلت الى الولايات المتحدة الامريكية وقد قامت الدولتان بمناصرة هذه الحركة وتبني اهدافها والعمل على تحقيق طموحاتها التي كان من اهمها قيام الدولة اليهودية (35) .
(2) التخطيط والتنظير لاشعال الثورة الفرنسية عام 1789 (36) . لقد اسهمت افكار الماسونية المتهودة (37) الفلسفية في استقطاب النقد ضد الطغيان وحولته الى مفاهيم ونظريات لتغيير البيئة الاجتماعية وتنشيط التثقيف ضد الحكم المطلق، فبينما كانت الطبيعة والعقل والحرية تأخذ مكانها بدت الفترة المتأخرة من التنوير تعطي السياسة مضاميناً حماسية وعاطفية وبات العقل في موضع الارتياب، وبات مشروع التنوير يخطو نحو تحريك الواقع وهدم النظام القديم بالفعل وبالتالي الوصول الى مرحلة الثورة الفرنسية ضد النظام الملكي (38).
غير ان فرنسا في اعقاب الثورة الفرنسية شهدت انفصالاً واضحاً بيــن الأيديولوجية العقلانية التي فلسفة نزعت البرجوازية (39) الصاعدة لامتلاك نظرتها الشمولية وبين خطى الارتداد البرجوازية على مشروعها التنويري والثوري والتي اخذت بعد تسلمها السلطة تسعى للانفراد به، بل كان لتخطيطها اثار واضحة دلت على نهجها في تصفية مبادئ الثورة الواحدة تلو الاخرى في ظل الارهاب والازمة السياسية والاجتماعية والتوسع والعداء الخارجي والانقلاب على الشعارات التي بشرت بها، مما ادى الى انتقال فرنسا من الجمهورية الى الامبراطورية (40).
وفي هذه المرحلة الثورية عكست الحركة الفكرية الصراع الاجتماعي فانفرطت الاطر التقليدية، واكتسبت اللاعقلانية قوةً ورصيداً، واستخدمت العاطفة والغريزة، فتسرب الشك الى اولوية العقل، بينما كان البحث العلمي هو ميدان الاتجاه العقلاني، كما اصبحت علوم الانسان مجال الأيديولوجيين الذين تمسكوا بالعقل والتجربة خصوصاً (41) .
فتيار الأيديولوجيين هو ذلك التيار الذي انبثق من رحم الماسونية المتهودة من عصر النهضة وبلغ قمته مع تأسيس معهد فرنسا وفرعه اكاديمية العلوم الاخلاقية والسياسية، وفي ظل العاصفة التي تلت الثورة انصرف الأيديولوجيين الى اعادة تنظيم التربية الوطنية بانشاء مدارس مركزية لهذا الغرض، وكان ابرزهم (دي ستت دي تراسي)(De Stutt De Tracy (1754 –1836) (42) الذي ابتدع مصطلح الأيديولوجية لاول مرة في 23مايس1797(43).
وتوصل دي تراسي الى نتيجة فحواها ان الأيديولوجية هي فرع من(الزيولوجيا) (Zoology (44). بمعنى انه حلل النفس الانسانية على اسس بيولوجية، وبمعزل عن أي مفاهيم دينية، لانه كان ينكر أي واقع مجاوز لما هو محسوس ويقول: " ان افكارنا ابتكارات خالصة من عقولنا " (45) . وللأيديولوجية عند دي تراسي معنيان هما:
الاول المعنى الواسع: يرى ان وظيفة الأيديولوجية هي استعادة وحدة العلوم وان الوجود هو مجالها، ويقصد بوحدة العلوم، "وحدة وجهة نظر الانسانية، أي المصادر المشتركة للعمليات الثلاث التي تتمثل بالحكمة، والمنطق، وفعل الارادة، وتلك العمليات التي تمدها فنون المنطق والنحو والصرف والاخلاق بقواعدها العملية التي لا تدع خارج نطاقها أي فاعلية انسانية "(46).
المعنى الثاني وهو المفهوم الضيق للايديولوجية: ويعني به تحليل المكانة الإنسانية او "علم الافكار" الذي يبحث في عملية نشوء الافكار، وهي موضوع ذلك العلم، اما وظيفته فهي تحليل الافكار المركبة الى افكار بسيطة ومن ثم الى احساسات ومدركات حسية وعليه فان الأيديولوجيا تصبح علماً فلسفياً لتوضيح الابعاد المعرفية ويقينيتها (47).
بمكن القول ان مرحلة التنوير والثورة الفرنسية قد مهدت الى ما طرأ على المشهد الأيديولوجى من تغييرات في التصور والملامح، والتي تعد ارضية للأيديولوجية المعاصرة، بعد ان استقرت منظوماتها واتخذتها قوى اجتماعية واسعة دليلاً لها، ومذاهب تنضوي فيها وتناصرها.

