كتاب " حيفا برقة - البحث عن الجذور " ، تأليف سميح مسعود ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب حيفا برقة - البحث عن الجذور
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

حيفا برقة - البحث عن الجذور
ونظراً لأهمية موقع حيفا الجغرافي كبوابة لشرقي الأردن والعراق وسوريا عبر البحر الأبيض المتوسط، اختيرت من قبل حكومة الانتداب البريطانية كمقر لإدارة خطوطها الحديدية، وكنقطة جغرافية بحرية ينتهي عندها خط أنابيب نفط العراق القادم من كركوك، لنقل النفط العراقي منها إلى الدول الأجنبية المستوردة للنفط.. كما وتم فيها أيضاً إقامة إدارة ضخمة لشركة نفط العراق (أي بي سي)، وإنشاء مصفاة لتكرير النفط في عام 1933على مقربة من تخومها الشرقية مَدت جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية بالنفط المكرر.
أعود إلى مونتاج الصور من جديد، وأرى صوراً كثيرة تطاردني تجسد الجوانب العمرانية في حيفا، تحرك مشاعري بيوتٌ بالغة الأناقة مبنية بحجر أبيض مدقوق بعناية كبيرة متناثرة في كل الجهات، تعلو أغلبها شرفات مطلة على مناظر رائعة لشاطئ البحر، وتتميز بحدائق واسعة تحيط بها مزروعة بأجمل الورود وتستخدم أحدث وسائل الري برشاشة متحركة على شكل مروحة.
تردُ على ذاكرتي تلك البيوت أراها كما كانت من قبل، أغدو وأروح حولها.. أدور ببصري يسرة ويمنة في كل جوانبها، أتنقل فيها من بيت إلى بيت بين أحياء حيفا الممتدة من أسفل المدينة على مقربة من الشاطئ حتى قمة جبل الكرمل وانعطافات سفوحه ببساتينها الساحرة المدهشة.
وأسترجع من أيام حيفا الماضية صوراً تعيها ذاكرتي، تلازمت مع انتعاشها الاقتصادي تنبض بمظاهر انتعاشات اجتماعية وإعلامية وفنية، تتجسد بعشرات المدارس الحكومية والخاصة والأندية الثقافية والاجتماعية والرياضية والفرق المسرحية والصحف.. كان فيها ثلاث فرق بارزة لكرة القدم من أهم الفرق الرياضية، لثلاثة أندية من الدرجة الأولى، «نادي شباب العرب» و«نادي الترسانة» و«النادي الإسلامي»، ومن أهم نجوم هذه الأندية جبرا الزرقا وميشيل الطويل وجورج مارديني(*).
وبينما كنت أقلب في ذاكرتي بقايا جذورٍ من موروث حيفا الرياضي، اطلعت على مقالة قيمة للدكتور مصطفى كبها، تواردت في بعض المواقع الإلكترونية بعنوان «من وحي المونديال.. أندية فلسطين الرياضية قبل النكبة» يشير فيها إلى أن «نادي شباب العرب» قد تأسس في عام 1934، وحصل على درع بلدية حيفا أربع مرات وعلى بطولة الدوري الفلسطيني مرتين، وأن «النادي الإسلامي» قد تأسس في العام 1929 وحصل على درع مدينة حيفا ثلاث مرات وعلى بطولة الدوري الفلسطيني مرة واحدة.
وكان هناك في حيفا نهضة إعلامية بدأت مبكراً مع بداية القرن الماضي، مجلات وجرائد كثيرة بلغ عددها منذ عام 1908 وحتى النكبة 31 مجلة وجريدة، ظهرت منها مبكراً في أواخر العهد العثماني مجلة «النفائس العصرية» الثقافية لخليل بيدس (1908)، وجريدة «الكرمل» لنجيب نصار الملقب بشيخ الصحفيين الفلسطينيين (1907)، وجريدة «النفير» لإيليا زكا (1924)، ومجلة «الزهرة» لجميل البحري (1922) وجريدة «الزهور» لجميل البحري (1927) وجريدة «الاتحاد» التي أصدرها إميل توما وإميل حبيبي وتوفيق طوبي كجريدة أسبوعية عام 1944، صدرت عن «اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب»، وكان إميل توما أول رئيس تحرير لها، ولاتزال تصدر حتى الآن كجريدة يومية للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.
يهمني هنا استحضار جانب من الأنشطة الفنية التي تدل على رغد عيش أهل حيفا السابقين، تحمل الذاكرة منها صوراً كثيرة لمسارح ودور سينما ومتنزهات.. وبينما كنت أخط هذه السطور توقف ناظري عند خبايا الأرشيف الفلسطيني في الناصرة، وجدت فيه ما يؤكد على أن أم كلثوم زارت حيفا بالقطار في زمن مضى، وأحيت حفلتين غنائيتين، إحداهما في شارع الملوك وثانيتهما في مسرح متنزّه الانشراح الشهير، غنت فيه بعد أن أرخى الليل أستاره الرقيقة على حيفا في تلك الأمسية، أغنية «أفديه إن حفظ الهوى».. تحمست سيدة حيفاوية ساعتئذ وصرخت ضاغطة على حبالها الصوتية من شدة طربها قائلة لأم كلثوم: «أنت كوكب الشرق»
وهكذا نالت أم كلثوم لقب كوكب الشرق في حيفا. أطلقته عليها سيدة مجهولة اسمها أم فؤاد، والتصق هذا اللقب بأم كلثوم طوال حياتها.
وغنى في حيفا محمد عبد الوهاب ومنيرة المهدية وفريد الأطرش وأسمهان وسهام رفقي وحليم الرومي (الذي عاش فيها مع أسرته وعمل وأنهى دراسته في المعهد الموسيقي العربي) وغيرهم.
وقدم يوسف وهبي على مسارح حيفا عروضاً مسرحية مع فرقة رمسيس، كما قدّم مثله عروضاً فيها المسرحي المشهور جورج أبيض وزوجته دولت أبيض، وقَدّمت عروضاً أيضاً فرقة عكاشة الكوميدية وغيرها من الفرق التمثيلية الأخرى.

