You are here

قراءة كتاب حيفا برقة - البحث عن الجذور

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حيفا برقة - البحث عن الجذور

حيفا برقة - البحث عن الجذور

كتاب " حيفا برقة - البحث عن الجذور " ، تأليف سميح مسعود ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 7

(2)

يجتاحني إحساس أن أكرر هنا ثانية ما ذكرته في مستهل سطوري، وهو أنني لا أكتب سيرة حياتي الذاتية.. أموري الشخصية هذه لا تعنيني من قريب أو بعيد، الذي يهمني هو الحديث عن علاقتي بالمكان.. الوطن، الذي يحيا في داخلي ويحاصرني في أعماقي، وأراه دوماً أمامي في كل لحظات حياتي بكل ما فيه من تراب وأشجار وحجارة وحتى أمواج البحر ورذاذ الندى.

تدغدغني رغبة جارفة في الكتابة عما في ذاكرتي من توهجات جذوري وماضي حياتي في حيفا وبُرقة وأجزاء أخرى من وطني، أسترجع فيها على أوراقي تفاصيل أيّام طفولتي التي عشتها في فلسطين بدون إثارة وبدون أي مؤثر خارجي.

وفي كل الأحوال، يتضح لي هنا ضرورة تعريف صلة الوصل بيني وبين حيفا.. صلتي بها توغل عميقاً في داخلي، بدأت مع الأيام الأولى من طفولتي الباكرة.. إنها مسقط رأسي ومهد صباي، فيها تفتحت عيوني وبدأت حياتي.. علاقتي بها أقوى من كل شيء يمكن للإنسان أن يحسه، فيها أشعر بالسعادة وأعرف من أنا ومن أكون.

ولدتُ في حيفا في منزل يقع تحت منحدر هضبة منخفضة في الجهة الشرقية من المدينة، تتسع أمامه ساحة كبيرة فارغة متاخمة لشارع الناصرة، يمتد على جانبها الأيمن شارع يتجه صعوداً إلى جبل الكرمل، وعلى جانبها الأيسر توجد بناية من طابقين يمتلكها الحاج محمد أبو حوا تعرف باسم عمارة أبو حوا، تقع على مقربة من عمارة الكرنك ومقهى العجمي وعدد كبير من المحلات التجارية المقامة على امتداد جانبي شارع الناصرة باتجاه مركز المدينة.

أخبرني والداي أنني ولدت في صبيحة آخر يوم من أيام عام 1938، كانت أسرتي تعيش في حيفا وقتذاك. حيث كان يعمل أبي موظفاً في القسم الفني في دائرة البريد والتلفون والتلغراف (البوسطة). لم يكن والداي من حيفا في الأصل، فقد ولدا في قرية بُرقة التي تنحدر منها عائلتاهما، ويمتلك فيها جدي الأكبر أراضيَ بمساحات شاسعة.

تقع بُرقة(**) على جزء من امتدادات جبل النار إلى جانب الطريق الواصل ما بين نابلس وجنين في الشمال الغربي من مدينة نابلس، على مسافة تقارب 18 كيلومتراً منها، وهي بلدة كبيرة كانت تعد في الفترة العثمانية من قرى الكراسي المسؤولة إدارياً عن عدد من القرى الصغيرة المجاورة لها التي ارتبطت معها ارتباطاً حياتياً في سهل وادي الشعير الشرقي المنبسط على امتداد مساحة واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، منها: سبسطية والناقورة واجنسنيا وبيت امرين ونص جبيل ودير شرف وبزاريا.

فيما أمد أمامي أوراقي الآن، وتتحرك أيامي الماضية في صور تلمع في ذهني، تطوف بي في كل مكان، أتذكر أحاديث أمي وأبي عن وقت ولادتي، كانا يتحدثان بحماس بأنني بدأت حياتي وأبصرت النور مع أحداث العام الثاني لثورة «36» التي اندلعت ضد قوات الانتداب البريطاني.

كثيراً ما كرر والدي أمامي في أحاديثه بأنني ولدت يوم انفجار عدة قنابل يدوية في إحدى أسواق حيفا المكتظة بالناس، ما أدى إلى استشهاد عشرات المواطنين من سكان المدينة، وأنّه في أيّامي الأولى زُرعت لأول مرة ألغام موقوتة كهربائياً في سوق مكتظ في حيفا.

كان يتابع أحاديثه في هذا الشأن ضمن مجراها العام، قائلاً وتعابير الحزن تطل من عينيه: «في عامك الأول ازدادت الثورة انتشاراً في كل أنحاء فلسطين، وأيامك الأولى كانت مثقلة بأحداث كثيرة مجبولة بأصوات متفجرات وأصوات زخات طلقات في أحياء البلدة التحتا من حيفا، ومع انتصاف عامك الأول تراجعت بريطانيا عن مشروع تقسيم فلسطين الذي اقترحته لجنة بيل من قبل، وقبل أن تكمل عامك الأوّل توقفت الثورة في أيلول 1939 مع اندلاع الحرب العالمية الثانية».

برغم يفاعة سني استطعت أنْ أتفهم أحاديث أبي وأتحسس ما يجري في حيفا من أحداث. ساعدت أحاديثه على تدافع أسئلة كثيرة في رأسي، كنت أطرحها عليه بين الحين والحين، وأسمع منه أجوبة رسخت في نفسي فرط اهتمام زائد بأحداث بلدي.

Pages