You are here

قراءة كتاب دموع الرياحين

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
دموع الرياحين

دموع الرياحين

كتاب " دموع الرياحين " ، تأليف دريد عودة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

أقول: الجماعات تصير شعوبًا وأممًا إذا قُدِّر أن تكون لها ذاكرة تاريخية واحدة ووجدان أو وعي جماعي واحد، وهذه مهمّة الأدباء التأسيسيين من بين آخرين بالطبع. ولا يمكن لعملية بناء الذاكرة التاريخية الجماعية أن تأتي أُكُلها في خلق الكتلة التاريخية الثورية الانقلابية، ما لم تترافق مع عملية جادّة واعية هادفة لخلق الوعي الجماعي. هذه مهمّة الأدباء التأسيسيين إذا ما أرادوا تنكُّب المسؤولية الثقافية والحضارية التاريخية لبناء الشعب وتحقيق نهضته وارتقائه.

أحب أن أختصر هكذا: الذاكرة التاريخية الواحدة تصنع الشعب والأمة، والوعي الجماعي يصنع ارتقاءهما.

الذاكرة التاريخية هي كالبحيرة التي تتجمّع فيها الأنهار، والوعي الجماعي هو كالحجر الذي تلقيه فيها؛ يحرّكها فيمنع ركودها وهمودها وتَحَوُّلها إلى مياه آسنة.

وأحب أن أختصر هكذا أيضًا: الأدباء العاديون يكتبون أنفسهم، سيرة حياتهم، بين سطورهم، فيما الأدباء التأسيسيون التاريخيون يكتبون المجتمع وسيرة حياته وشرعة تطوره الحضاري.

أقول أيضًا: تفقد الرواية مشروعيتها التاريخية وكذلك الأدبية ما لم تكن الإطار الذي فيه، ومن خلاله، يمكننا أن نعاين ونتفحّص القضايا السياسية والاجتماعية لهذا المجتمع أو ذاك، في هذا العصر أو ذاك.

المشروعية الأدبية التاريخية: الرواية التي هي بنت العصر هي ابنة كل عصر.

***
في روايتي السابقة «أبناء الحياة» انكببت، في محاولة أولى بالطبع، على إعادة صياغة الذاكرة التاريخية الجماعية للشعب اللبناني من خلال كتابة رواية تتناول تلك الحقبة الناصعة والمتألقة والمشعّة من تاريخنا المعاصر ألا وهي حقبة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

لم تكن الرواية تأريخًا للأحداث فحسب، بل تناولت تلك الحقبة من زاوية كتابة التاريخ القيمي والحضاري: فالتأريح «الحَدَثي» إذا جاز التعبير كان من خلال إبراز دور المقاومة العَمَلاني في تحرير الأرض، وهذا هو التاريخ الموضوعي. أمّا الجانب التأريخي الحضاري في الرواية فكان بتسليط الضوء على دور المقاومة ومشروعها في بناء الإنسان والمواطن من خلال مشروعها الوطني العلماني: المشروع كان تحرير الأرض والإنسان.

مهمّة «أبناء الحياة» تستحق العناء: هي محاولة صياغة ذاكرة تاريخية جماعية واحدة في وطن الخلافُ الأكبر فيه على التاريخ، ثم على الجغرافيا: كلٌّ يكتب التاريخ على ليلاه! لماذا؟ لتبرير سلطويته، لاستمداد شرعيته السياسية اليوم من شرعة تاريخ الأمس، لشحذ رمح سلطة الحاضر على حجر تاريخ مكتوب «على ليلاه»!

لكن لا يمكن لهذا أن يكون «حجر الفلاسفة والأدباء» الذي عليه تُشْحَذ حضارة الشعوب وشرعة ارتقائها.

وفي روايتي الجديدة اليوم «دموع الرياحين»، محاولة أولى على الخط الثاني: بناء الوعي الجماعي للشعب، لكنْ دائمًا من خلال إعادة كتابة التاريخ القيمي والحضاري للمجتمع؛ بناء وعي جماعي من خلال بناء الذاكرة التاريخية الحيّة.

أزعم أن الرواية تشكّل بهذا المنحى عملًا تاريخيًا تأسيسيًا: هي عمل أدبي يتناول الحرب اللبنانية، في محاولة جادّة لعدم الوقوع فيها من جديد؛ محاولة لرسم طريق مضيء في عتمة النفق الذي يبدو أننا لا نزال فيه، وليس في الأفق ما يشير إلى أننا خارجون منه قريبًا.

هو كتاب عن الحرب ضد الحرب.

هو كتاب للخروج من النفق.

كتاب خلفه هَمّ حضاري وقلق أخلاقي وتوجُّس ثقافي من أن تعيد القيم السياسية نفسها استيلاد الحرب نفسها.

فالثقافة السياسية الطائفية كانت ولا تزال الرحم التي يولد منها الوحش الضاري الذي يفترسنا جميعًا في النهاية: وحش الحرب الأهلية.

العقل السياسي الطائفي هو إله الجحيم (Hades) الذي من نطفته يولد ويتناسل آلهة الحرب.

ورواية «دموع الرياحين» لا تتناول أحداث الحرب اللبنانية، بقدر ما تتناول ثقافة الحرب؛ تلك الثقافة التي توصل دائمًا وأبدًا إلى الحرب: قيم مسخ تستنسخ المسخ!

هي إطار يمكن أن نستطلع فيه وعبره، وبأقصى شفافية، وبلغة مباشرة لا تعرف المداورة والمداهنة والمهادنة، الحالة الثقافية والسياسية والاجتماعية للبنان ما قبل الحرب الأهلية سنة 1975 وخلالها.

لبنان ما قبل وإبّان الحرب! أليس هو نفسه لبنان ما بعد الحرب؟! أليس هو نفسه لبنان كل زمن؟! أليس هو نفسه لبنان 1840، ولبنان 1860، ولبنان 1943؟! لبنان ما قبل حرب 1975، أليس هو لبنان اليوم وكل يوم؟!

من هنا لا تفقد الرواية راهنيتها أبدًا، رغم أنها تتكلم عن حرب حدثت في القرن الماضي!

القرن الماضي! كأنه الأمس، كأنه اليوم، بل كأنه غدًا في وطن في حرب دائمة مع نفسه، وللأسباب نفسها!

Pages