You are here

قراءة كتاب دموع الرياحين

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
دموع الرياحين

دموع الرياحين

كتاب " دموع الرياحين " ، تأليف دريد عودة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

أحبّته من أول نظرة

كان والد ريتا حاسمًا كحدّ السيف في رفضه، عندما فاتحته بنيّتها الزواج بحبيبها كمال.

رَفَض فقط، لأن كمال من ديانة أخرى!

الشاب الطَموح والواعد أنهى بتفوق دراسته الجامعية في علم الأحياء (البيولوجيا)، وها هو يُكمل الآن سنته الأخيرة في كلّية الطب العام في الجامعة الأميركية في بيروت.

التقى ريتا منذ سنوات الدراسة الأولى في الجامعة. كانت هي تلميذة سنة ثانية (جونيور) علم نفس، وهو سنة ثالثة (سينيور) في علم الأحياء.

بقيت له مادة اختيارية واحدة، فقرّر أن تكون في علم النفس.

ريتا في المقعد الأمامي في الصف تثرثر مع صديقتها، ضاحكةً بصخب قبل مجيء الدكتور المحاضر. إذ بشاب وسيم، لم تره من قبل في الكامبوس، يدخل القاعة. خمد صوتها وكاد نَفَسُها ينقطع عندما مرّ بمحاذاتها، متجهًا إلى المقاعد الخلفية. خفق قلبها بشدّة... شعرت بروح ذاك الشاب الوسيم الأشقر تتغلغل في حناياها، لتستقر جذوةً دافئة في أعمق أعماقها.

«ما بك ريتا؟!» سألتها رانيا، وقد أحسّت كأن شيئًا ما صعق صديقتها.

- لا شيء رانيا، لا شيء...

- ماذا إذًا؟! هل سرق قلبك أنت أيضًا بلحظة، مثلما...

- مالأصفر يليق بكِ!

لم تكد حصّة علم النفس تنتهي حتى توارى كمال في الكامبوس، مسرعًا الخطى إلى مبنى كلّية الطب. كان ذاك اليوم يوم التسجيل الأخير لفحص الدخول إلى الكلّية بعد أن شارف الطالب المُجِدّ على إنهاء شهادة البكالوريوس في البيولوجيا.

استدارت ريتا يمنةً، ثم يسرةً. لم تجده. نهضت من مكانها وخرجت من الصف بسرعة، من دون حتى أن تودّع صديقتها. أرادت فقط لو تراه ثانيةً في ذاك اليوم. نظرة واحدة كانت لِتكفيها، علّها تطفئ ظمأ روحها الغريب إليه! لقد مسّها جنون الحب من النظرة الأولى.

عادت إلى الكافيتيريا بخفَّي حُنَين، ووجدت صديقتها رانيا بانتظارها.

- هل جُننت ريتا؟

- رانيا، لا أعرف ماذا حلّ بي...

- أنتم تلامذة البسيكولوجي بحاجة إلى طبيب نفسي بلا شك، أسوةً بالأطباء النفسيين أنفسهم!

- لقد سحرني يا رانيا... أعتقد أنني وقعت في غرامه.

- هذا صديقك إله الحب إيروس! لقد أصابك بسهمه القاتل! بقيت تتكلمين عنه، وتُمجّدينه، حتى رماك وجندلك أرضًا.

- قولي لي ما اسمه؛ يبدو أنك تعرفينه.

- ماذا أوحى لك بهذا يا ريتا؟

- أنتِ سألتِني حرفيًا في الصف ما إذا كان قد سرق قلبي بلحظة أيضًا مثلما...

- كلّا، لم أقلْ هذا قطّ.

- بلى، أنت قلت هذا حرفيًا. ثم توقفت عن الكلام فجأةً، وشِحْتِ بنظرك بعيدًا. قولي لي، هل سرق قلبك بلحظة أنت أيضًا؟

- ما قصدته هو أن هذا الشاب سرق قلوب فتيات كثيرات...

- وكيف تعرفين هذا؟ ليس عيبًا أن تكوني قد وقعت بحبه أنت أيضًا. انظري إليّ كم صرتُ متيّمةً به، حتى من دون أن أكلّمه. للحب دروب لا نفهمها إلّا بعد أن نسلكها.

- كفى ريتا، لم أكن أتكلم عن نفسي. كل ما في الأمر أن طالبات كثيرات وقعنَ في حبه، لكنه لا يضحك للرغيف الساخن كما يُقال. عبثًا حاولن، لكن دون جدوى. أعتقد أنه مجنون... ربما أتى إلى صف علم النفس كجلسة علاج أولى.

- لكنه ابتسم لي عندما تلاقت نظراتنا.

- حظنا عاثر، وحظك جيد... ألف مبروك.

قالت رانيا هذا ونهضت بنزق، تاركةً صديقتها وحدها. تحجّجت بأنها ذاهبة إلى سوق الحمرا القريب لشراء هدية لوالدها بمناسبة عيد ميلاده.

حاولت ريتا إيقافها: «دعيني أذهب معك!»

لكن رانيا انصرفت، من دون أن تلتفت إليها.

تمتمت ريتا: «حسنًا أيتها الغيورة! الأصفر يليق بكِ!»

سمعتها رانيا، والتفتت إلى الوراء: «ماذا قلتِ؟!»

«قلت، الأصفر لا يليق بكِ...» ردّت ريتا.

لم تُجِب رانيا. ابتعدت بناظريها ناحية الدكتور المحاضر الذي دخل القاعة.

استدارت ريتا نصف استدارة إلى الوراء، بحجة التفتيش عن قلم في جزدانها. بلمحة خاطفة، نظرت إلى ذاك الشاب. كان قد وضع نظّارته، فزادته هيبة ووقارًا. التقت العيون، تعانقت من خلفها روحان قدرهما نعمة حب جميل من روح الله وشرعته، لكنه مستحيل في شرائع أديان البشر. ابتسم لها، لكن تلك الابتسامة الجميلة كانت فجر الآلام ودموع الرياحين.

Pages