You are here

قراءة كتاب الاستشراق ومناهجه في الدراسات الإسلامية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الاستشراق ومناهجه في الدراسات الإسلامية

الاستشراق ومناهجه في الدراسات الإسلامية

كتاب " الاستشراق ومناهجه في الدراسات الإسلامية ، تأليف د.

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
دار النشر: دار المناهج
الصفحة رقم: 7

3. وبعد أن أثبتوا عظمة الماضي، نسبوه إلى غيرنا – ولعل هذا من أخطر ما يشددون عليه – فالفرس والهنود والرومان واليونان كانوا – في رأيهم – أصحاب فضل على ذلك الماضي فبدون حضاراتهم لم تكن لنا حضارة عظيمة أو مجد تليد.

كانت الشعوبية تريد ذلك فيما مضى. والغرب قد تبنى هذا الأمر من بعدها. فكتب فيه النظريات الكثيرة. وكثير من علمائنا يتغنى بتلك النظريات فيقول أن "العرب تمكنوا أن يهضموا العناصر الغربية التي اختاروها من حضارة اليونان والرومان ويتمثلونها ويدخلوها في نسيج حضارتهم الزاهي الألوان المتناغم الألحان، بحيث وفقوا بين العقيدة الإسلامية وهذه العناصر الغربية توفيقاً مدهشاً دللت عليه حيوية الحضارة العربية الإسلامية طوال العصور الوسيطة الأولى".

وهذا الكلام أخف بطبيعة الحال من أن يقال عن الحضارة العربية الإسلامية أنها مسروقة ومستقاة من الحضارات الأخرى كما يردد ذلك كثير من المستشرقين ذوي الاتجاهات الدينية والسياسية المعروفة.

وسواء أكان تردد الكلام بصيغته الأولى بحسن النية أم بصيغته القاسية الثانية، فإن ذلك الكلام يسيء إلى الحضارة العربية والتراث العربي والإسلامي. لأن "الفكر الإسلامي قد تشكل أساساً قبل الاتصال بالفكر اليوناني أو الفارسي أو الهندي"، فما جاء به العرب كان مميزاً، وبقيت سمات تفصل ما بين حضارة العرب وحضارة الفرس أو ما بين حضارة الروم واليونان فإن كانت هناك تأثيرات متبادلة فذلك أمر طبيعي حيث أن الحضارة هي ثمرة الجهد الإنساني. لكن غلبة الحضارة العربية وانتشار الفكر الإسلامي جعل الفكر الشعوبي يتأجج حقداً عليها منذ الأيام الأولى للحركة الإسلامية. فهل هنالك مثلاً تأثير للعمارة الفارسية أو اليونانية على مباني بغداد؟ وهل كان دور العرب في الرواية والكتابة يعتمد تأثيرات الفرس واليونانيين؟ بل الأدهى من ذلك، ألم يكن العرب هم الذين ترجموا كتب اليونان وأعطوها إلى أوروبا بعد أن عجزت من ترجمتها لتنتفع بها؟

هل تأثر محمد (ص) بأحد حين أسس دولته في المدينة وجعل لها دستوراً كان يعد أول دستور في التأريخ؟

ألم يكن هناك شعراء وأدباء في الجاهلية؟ وهل احتفظت أية حضارة بشعر أبنائها كما حفظها العرب إلى اليوم الحاضر؟ وآلاف الكتب والمؤلفات منذ العصر الإسلامي الأول وحتى نهاية العصر العباسي الأول. ألا تثبت أصالة الحضارة العربية والإسلامية؟

قد يرى بعضهم آثار الفلسفة اليونانية قد اختلطت مع الفكر الإسلامي ويعبر عنها بتأثير الفكر اليوناني؟ فلنأخذ الجبر والقدر مثالاً، والسؤال هنا: ما قيمة الجبر والقدر وما قيمة أية فلسفة دون الأصل–الإسلام-؟ سواء تداخل الأصل مع الفلسفة اليونانية والفكر المسيحي أم لم يتداخل؟ ما قيمة كل ذلك دون الإسلام – الأصل -؟

أليس كافياً أن تزول تلك الفلسفات ويبقى الأصل لمن يردد بأن العرب قد نهلوا وهضموا الغريب والجيد من الحضارات وأدخلوها في حضارتهم. ويبقى الأصل لمن يردد بأن العرب قد نهلوا وهضموا الغريب والجيد من الحضارات العالمية وأدخلوها في حضارتهم بأنّ مميزات كل حضارة واضحة وترديد ذلك الكلام ضرب من العبث أو تطاول على الحقيقة.

وحين نتحدث عن حضارة العرب (المميزة) نحتاج بطبيعة الحال إلى بضعة أمثلة تؤكد أصالتها. أفلم يكن العرب قد أوجدوا منطق (الاستقراء) – وهو غير منطق أرسطو القياسي، فالعرب – إلى جانب اهتمامهم بالبحوث الفلسفية والدينية – قد اهتموا بالعلوم التي تستند إلى مناهج الاستقراء فاستخدموا في دراستها الملاحظة، ومارسوا التجريب واستعملوا الآلات التي صنعوها يومذاك وعنهم أخذتها أوروبا في عصر النهضة([16]).

كان الحسن بن الهيثم (ت سنة 430 هـ) يلاحظ الظواهر الحسية الجزئية ويعمد إلى التجريب الذي يدعوه (الاعتبار). فيصل بهذه الطريق إلى الحقائق ويصوغ القوانين العامة نتيجة مزاولته التجربة في دراسته. ويكون ابن الهيثم قد سبق الفيلسوف الانجليزي (فرنسيس بيكن) بستة قرون في توصيته بضرورة إتباع منهج (الاستقراء) وتنوع التجارب وتكرارها لتحاشي الوقوع في الخطأ([17]).

ولقد نقلت العلوم العربية شيئاً آخر إلى أوروبا, شيئاً كانت تفتقر إليه عبقرية اليونان إلى حد ما. لقد لقنت العلوم العربية درساً مهمّا، هو أن الدراسات الفيزياوية والتجريبية تتطلب مثابرة مستمرة وصبراً في المشاهدات والملاحظات (النتائج العلمية) قبل الانتهاء إلى نظريات عامة وبينت العلوم العربية في مجال الفلك والفيزياء وفي فروع الكيمياء والتنجيم أيضاً كيف تقوم أسس المنهج الوضعي للدراسات، ذلك المنهج الذي بلغ به جاليليو وبيكون المجد في العصر الحديث"

كما أن كثيراً من المقالات الأصلية لجابر بن حيان في الكيمياء قد نقلت إلى الغرب وعد (بيرتلو) في كتابة " الكيمياء في العصور الوسيطة" جابر بن حيان أعظم كيماوي في تلك العصور.

واستفاد ديكارت من أسلوب الشك العلمي من أجل الوصول إلى الحقيقة للغزالي فقد قارن الكاتب الفرنسي شارل سومان بين نبذ من مؤلفي ديكارت (رسالة الأسلوب) أو (التأملات في الفلسفة الأولى) وبين مقاطع من كتاب الغزالي (المنقذ من الضلال) "وتوصل من هذه المقارنة إلى أن ديكارت قد اطلع على كتب الغزالي وعنه أخذ أسلوب الشك العلمي من أجل الوصول إلى الحقيقة".

أما ابن خلدون فلا يزال علماء الاجتماع في العالم يشيدون بآرائه ويعدونه عالم الاجتماع الأول . فقد قال عنه المستشرق استيفانو كلوزيو: (أليس ابن خلدون باستنباطه أن لتقدم الزمن لمرافق الحياة ولشروط المعاش ومقوماته فعلاً كبيراً في نشأة الطباع واكتساب الملكات الجديدة، دالاً على بعد نظره ونفاذ بصيرته.

وما هذه الحقيقة إلا مبدأ أساس في علم الاجتماع يعود الفخر في تقريره إلى المؤلف المسلم قبل الفلاسفة الوضعيين وعلماء النفس العصريين بقرون متطاولة، أما الشريعة الإسلامية فقد عدها الكثيرون مصدراً من مصادر القانون العصري في المعاملات.

وفي مجال العلم والعلماء فهل كان في دول الحضارات آنذاك عدد يحصى أكثر من علماء العرب. فقد أصبح عدد الأطباء في القرن الرابع الهجري كما أحصاه (لكلير) في كتابه (تاريخ الطب العربي) أكثر بكثير من الأطباء الذميين.

هذا فضلاً عن الأدباء والشعراء والمؤلفين والمترجمين وعلماء الدين وغيرهم ممن أشبعتنا الكتب العربية والعالمية ذكراً لهم ولمنجزاتهم العلمية. وبعد، فهل يجوز القول بأن الحضارة العربية لم تكن لتكون بهذا الشكل لولا تأثير الحضارات العالمية المحيطة بها آنذاك؟

لقد سلط المستشرقون أضواء كثيرة على هذا المفهوم حتى أن ذلك أصبح من الأمور البديهية عند الغربي. والأنكى من ذلك أنها قد أصبحت (بديهية) عند المتأثرين بالمستشرقين من علمائنا وكتابنا.

فلقد دأب الاستشراق منذ نشأته على سلب حقنا في تصوير حضارتنا فرسم لنا صورة مشوهة عنها تبدو في حقيقتها رائعة، لكن التعمق بها يظهر لنا زيفاً كبيراً. فلقد أريد للاستشراق أن يكون أسلوب مخاطبة للإنسان الغربي" يحكي ما يجب أن يقال عن الشرق في المجتمعات الغربية ويساعد في إكساب تقييم المستعمرين للشرق مقام الحقيقة.

ولكن ذلك الأسلوب قد بات أسلوباً لبعض باحثينا ليشاركوا في تزييف حقيقة تراثنا.

Pages