كتاب " النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية " ، تأليف عبد الرزاق المصباحي ، والذي صدر عن مؤسسة الرحاب الحديثة للنشر والتوزيع .
You are here
قراءة كتاب النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية
1-2 النقد الثقافي والنماذج الإرشادية
يُسمي الغذامي الأساس النظري الذي وجه مشروعه لتأسيس نظرية نقدية ثقافية بالذاكرة الاصطلاحية، ويقصد بها الجهودَ النظرية التي شكلت خلفية طرحه النقدي المتمثل في تـأصيل عربي لمفهوم النقد الثقافي، ويحددها الغذامي على هذا النحو: الدراسات الثقافية، في نقد الثقافة، الرواية التكنولوجية، النقد الثقافي عند فنسنت ليتش، النقد المؤسساتي، الجماليات الثقافية (التاريخية الجديدة)، والناقد المدني عند إدوارد سعيد.
لقد عاد الغذامي إلى الدراسات الثقافية بوصفها أساسا مركزياً لمشروعه النقدي، ففي الدراسات الثقافية "ينصرف أساتذة الأدب، كما يؤكد جوناثان كاللر، عن دراسة ميلتون إلى دراسة مادونا، وعن دراسة شكسبير إلى دراسة الدراما التليفزيونية، ونرى ضمن اشتغالها البروفيسور الفرنسي يكتب عن السجائر وزميله يكتب عن السمنة ." (8) والدراسات الثقافية، حسب الغذامي، تقوّض مركزية النص في مقابل الاهتمام بكل الظواهر القادرة على تحقيق وقع اجتماعي وتـأثير في الناس، أو ما يسميه منظروه "بالأنظمة الذاتية في فعلها الاجتماعي في أي تموضع كانت بما في ذلك تموضعها النصوصي" (9) ،ولا يعني تكسير مركزية النص الاتجاه نحو البحث في البعد التاريخي؛ لأن التاريخ والنص من منظور الدراسات الثقافية مدمجان معاً باعتبارهما جزءاً من عملية واحدة، وهذا ما يميزهما عن المنهج التاريخي والاجتماعي اللذين يفرقان على التوالي بين البنى التاريخية والبنى النصية، والبنى الفوقية والتحتية. وتبحث الدراسات الثقافية أيضاً في عمليات إنتاج الثقافة في علاقتها بمفهوم الهيمنة "التي تتحقق، كما عندأنطونيو غرامشي، لا بسبب قوة المسيطر؛ بل بقدرته على جعلنا نقبل ونسلم بوجاهة هيمنته"(10) ؛ والأمر يتعلق هنا بضرب من ممارسة الحيلة والـتأثير الإيديولوجي والإعلامي وكل ما من شأنه تسويغ هذه الهيمنة؛ وبالرغم من أن الغذامي يعترف بفضل الدراسات الثقافية في اهتمامها بالهامشي والمُغيَّب، ومحاولاتها الريادية في كشف ألاعيب المركز إلا أنه يعيب عليها فقرها النظري الذي أدى بها إلى تسطيحات جعلتها تتلقى انتقادات كثيرة، بخاصة تركيزها، بشكل مغال، على العوامل الاقتصادية والمادية.
ومن أشكال التسطيح الذي لم تنتبه إليه الدراسات الثقافية تثبيت قيمٍ وأنساقٍ ثقافية فقط لأنها جماهيرية، لذلك تبنى الغذامي كثيراً من تصورات دوكلاس كلنر في نقد الثقافة، الذي ينطلق من مقولة المابين التي تقول إننا لم نحقق بعد الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، مما يعني، بالنسبة إليه، أننا سنكون دوما بحاجة إلى مقولات التوجهين، وهو ما كرّسه في طرحه النظري القائم على البحث في منجزات مدرسة برمينغهام (المدرسة المؤسسة للدراسات الثقافية) ومدرسة فرانكفورت وأضاف إليهما مقولات ما بعد الحداثة والتعددية الثقافية والنقد النسوي. ودرس "كلنر" العلاقات التفاعلية بين تدخل الوسائل وكيفية تشكيلها لأفعال تلقِ معينة، منتقدا مدرستي فرانكفورت وبرمينغهام في احتفائهما بفكرة الرفض، إذ يعتقد أنهما أغفلتا كثيرا من وجوهه وأنواعه، واكتفتا بالاحتفال بمتعة الجمهور دون نقد وظيفة المتعة، "حتى لقد جرت تسمية العنف الذي يتخذ المتعة وسيلة على أنه رفض ومتعة جماهيرية كما تحدد في بعض الدراسات عن أفلام هوليود" (11) . والمتعة عند كلنر مكتسبة، فهي شيء نتعلمه؛ بل إننا نستمتع وفق مقاييس اجتماعية، لكنها لا تمثل دائما موقفاً طليعياً يسمو بالذوق، بل تسعى أحياناً إلى إخضاعنا وإذلالنا، لأن هناك من قد يجد المتعة في مشاهد العنف والاغتصاب واحتقار ثقافة الغير... ، وهو ما يجعل هذا التوجه الذي عبرت عنه الدراسات الثقافية (ممثلة في المدرستين السابقتين) موسوما بأثر الإيديولوجيا التي ينتقدها كلنر بشدة. ويقدم، في المقابل، رؤية نقدية بديلة يسميها نقد ثقافة الوسائل، وهي رؤية تعتبر "الثقافة مجالاً للدراسة بحيث لا يجري تفريق بين نص راق وآخر هابط، وعدم الانحياز لأي منهما، ولا بين الشعبي والنخبوي، وذلك لتجنب الموقف الذي يتضمنه مصطلح (جماهيري) و(شعبي)، مع الأخذ بالاعتبار أن التفريق ممكن إذا ما كان لأسباب استراتيجية تقتضيها بعض النصوص" (12) . ولا شك في أنَّ كلنر هنا يقدم للغذامي أهم آليات التعامل مع النسق الثقافي، فإذا كانت الإيديولوجيا قد جعلت الدراسات الثقافية تنتصر للهامشي وتكرسه حتى دون نقد عيوبه النسقية فإن نظرية نقد ثقافة الوسائل قد أعادت التوازن المغيب عند الدارسين الثقافيين حين جعلت النخبوي والشعبي تحت نفس المشرط النقدي الذي لا يستسلم لإغواء الإيديولوجيا بما يسمح بتمرير الأنساق المعيبة؛ بل وبإخضاع المتعة للتفكيك النقدي مهما تسربلت في صور جميلة وممتعة.
إضافة إلى نقد ثقافة الوسائل استند الغذامي إلى مفهوم الرواية التكنولوجيةcyberpunk الذي طرحه كلنر، في سياق رده على أفكار بودريار الذي ألف كتاباً عن أمريكا يعتبر فيه النموذج الأوروبي مقياساً للحكم والقراءة،(حيث) تمثل أوروبا الراقي والنموذجي، بينما كل ما هو في الثقافة الأمريكيةيبدو دونياً وسلبياً (13). لقد كان بودريار يصدر في تنظيره عن اعتبارات ما بعد الحداثة، مما جعل كلنر يحكم على مشروعه بازدواجية الصيغة وبالرجعية، لأنه بهذا سيعود إلى القول بمركزية الحداثة الأوربية وعقلانيتها. ويقدم كلنر مفهوم الرواية التكنولوجية بما هي خطاب مركب من عناصر الحياة المصاحبة للتغير التكنولوجي المستمر في التغير والتحول، مميِّزاً بين الرواية العلمية التي تعتمد خطاباً مؤسساتياً ومثيلتها التكنولوجية المحتفية بالمهمش العلمي والشخوص المتمردة وتقوم على الخيال المبني على الممكن والمتصور مع دقة التوصيف والسرعة التي يتطلبها مجتمع تكنولوجي.

