You are here

قراءة كتاب النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية

النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية

كتاب " النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية " ، تأليف عبد الرزاق المصباحي ، والذي صدر عن مؤسسة الرحاب الحديثة للنشر والتوزيع .

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 5

ومن النماذج الموجهة لمشروع الغذامي مفهومُ النقد الثقافي عند فنست ليتش الذي ابتدع تحولا في مقاربة الخطاب على مستويي مادة البحث (الاهتمام بالخطاب بما هو خطاب) ومنهج التحليل (يجمع هذا المنهج بين السوسيولوجيا والتاريخ والسياسة) مع الاهتمام بمنجز النقد الأدبي، والنقد الثقافي عند ليتش يصنف ضمن النقد ما بعد البنيوي وما بعد الحداثي، ويقوم على ثلاث خصائص:

• لا يؤطر النقد الثقافي نفسه ضمن التصنيف المؤسساتي للنص الجمالي.

• من سنن هذا النقد أن يستفيد من مناهج التحليل العرفية من مثل تأويل النصوص.

• دراسة الخلفية التاريخية، و إفادته من الموقف الثقافي النقدي والتحليل المؤسساتي.

• إن الذي يميز النقد الثقافي ما بعد البنيوي هو تركيزه الجوهري على أنظمة الخطابوأنظمة الإفصاح الجوهري النصوصي كما عند بارت وديريدا وفوكو. خاصة مقولةديريدا ألّا شيء خارج النص، وهي مقولة يصفها ليتش بأنها البرتوكول للنقد الثقافي (14) .

إن هذه الأسس تماثل تلك التي أَشَّرَ عليها تعريف النقد الثقافي عند الغذامي، فكلاهما يرفض الخضوع لتصنيفات المؤسسة النقدية ورؤيتها للجماليّ، ويفيد منها في الوقت ذاته خاصة فيما يتعلق بطرائق التحليل الذي يجمع المنجز النقدي الحداثي وما بعد الحداثي (التأويل، تاريخية النص...)، مع التركيز على مفهوم الخطاب الذي لا يمكن تمثل سماته إلا من النص ذاته. ولقد انتقد ليتش أيضاً المؤسسة الأكاديمية في سعيها الدائم للتحكم في الأذواق وتنميطها وتسييجها بقواعد تلق معينة، ويشير إلى أن ذلك واجه بعض منظري جمالية التلقي من أمثال "بليتش" و"ستانلي فيش" وقبلهما نقاد البنيوية، كجوناثان كاللر وتزيفيتان تودوروف، الذين حولوا اهتماماتهم من نقد النصوص إلى نقد المؤسسة التي يعترف، أي الغذامي، بصعوبة الخروج المطلق عن سلطتها.

إضافة إلى كل ذلك استند الغذامي إلى الجماليات الثقافية ( أو التاريخية الجديدة) مع "لوي مونتروز" الذي قال بمفهومي "تاريخية النص" و"نصية التاريخ"، إذ يعني بالأول صعوبة التوصل إلى ماض كامل وصحيح دون وساطة الآثار النصية المتبقية التي لا يمكن اعتبارها منتجات للعلاقات الاجتماعية المركبة. أما المفهوم الثاني فمؤداه يتحدد في أن كل أنواع الكتابة (أدبية أم غير أدبية) تتميز بخصوصية ثقافية وتخضع لقاعدة اجتماعية معينة. مبدئياً يقر مونتروزLouisMontrose، في سياق شرحه لوظائف الناقد التاريخي الجديد، أن الناقد في التاريخية الجديدة لا يستطيع التحلل أثناء اشتغاله من سلطة الوسط الذي يحضر بالقوة وبالفعل في النص المنقود، فكل أنواع الكتابة لها "خصوصية ثقافية"، لكن هذه الخصوصية لا تعني بالضرورة محاولة البحث عن تحققات التاريخ في النص، أي الانطلاق من الخارج(الوسط) نحو الداخل (النص)، بل استكناه الثقافي والتاريخي من النص لأن له القدرة على جعلنا نتوصل إلى الماضي الكامل والصحيح. وهذه المبادئ سيعمل "ستيفن غرينبلات"Stephen Greenblatt على ترسيخها، فإليه يرجع تسمية الشعريات الثقافية (التاريخية الجديدة) التي تعنى، بالنسبة إليه، بدراسة الإنتاج الجمعي للممارسات الثقافية والتعرف على كيفية صياغتها في شكل جمالي يقدم للاستهلاك، أما قراءة العمل الأدبي عنده فلا ينبغي لها، وهذا هو المثير في تصورغرينبلات، أن تكتفي بقراءة نصوص عاصرت النصوص المدروسة، بل ينبغي أيضاً النظر إليها من منظور الظرف التاريخي والسياق الثقافي للقارئ الحديث، وهو قول يشي بالمدى الذي بلغه انفتاح نقد ما بعد التفكيك على منجز ما بعد الحداثة (جمالية التلقي خاصة) (15) . أما مفهوم الناقد المدني الذي قال به إدوارد سعيد في كتابه "العالم والنص والناقد"، فيضع الناقد على حد الشفرة بين النظام المؤسساتي الذي يعمل على توجيه عمله (الناقد) والثقافة التي تتحدى فعل النقد، باعتبارها فعلاً حيوياً لا تخضع أحداثها لمنهج معين، هذا التناقض بين النظام والثقافة ينبغي أن يحوله الناقد، من منظور إدوارد سعيد، إلى تجانس عبر استعداد الناقد لمساءلة الخطاب النقدي ذاته وانفتاحه على الأقليات المهمشة بغاية إحضارها إلى المتن الثقافي. من جانب آخر يسترفد الغذامي تصور إدوارد سعيد للنص الذي يعتبره معطى واقعيا يتشكل وفق ظروف معينة بما فيها جمالية النصوص التي تتمازج بالظرفي، ويتعذر إثر ذلك فصل النصوص عن سياقاتها الواقعية وتفاعلاتها البشرية والثقافية "فالنص ظاهرة تعبيرية ظرفية، وبما إنه كذلك فلا بد إذن من وقوف الناقد على هذه الحافة التي تجعله في موقع جامع بين الثقافة والنظام، بين التعبير الحر والتعبير الممأسس، ولذا عليه أن يرى فعل المؤسسة من جهة وأن يحرر نفسه من سلطتها عليه وعلى النص(من جهة أخرى)" (16).

يبدو أن مرمى الغذامي من تقديم هذا الإطار النظري هو إيجاد سند تنظيري يكرس مشروعه النقدي الجديد، وتعلق الأمر بتنظيرات متنوعة أعمل فيها كثيرا من النقد والتفييئ والتمييز، مما يسعفه في بناء نسق مفهومي وآليات اشتغال متينة تحاول تلافي العيوب التي سجلت على بعض هذه التوجهات النقدية، ومنها الدراسات الثقافية التي عاب عليها تسطيحها النقدي وانتصارها الأعمى للهامشي لكونها "انطلقت من خلفية ماركسية لذلك نفهم هجومها على الرأسمالية ومحاولة نقضها ورفض قيمها" (17) ،منتبهاً إلى أن ذلك قمين بأن يجعل الهامشي مركزاً متعالياً على النقد والمساءلة، وينتج بالتالي آليات جديدة من الهيمنة، مما قد يجعل الدراسات الثقافية متناقضة مع هدف مشروعها المتجسد في فضح ألاعيب المركز. ولقد كان الغذامي هنا متنبها إلى حقيقة أن كل الخطابات التي نشأت بعد التفكيكية تمتلك من عناصر التشابه، أكثر من عناصر التباين وهو ما يوافقه عليه عبدالعزيز حمودة إذ "ليس هناك اختلافات كبيرة بين اتجاهات ما بعد التفكيك من مادية ثقافية، وتاريخية جديدة، وماركسية جديدة باستثناء النقد النسوي" (18) ، لذلك نفهم حرصه على التنويع في نماذجه الإرشادية معملا النقد والتجاوز. لكنه يميل إلى فنسنت ليتش الذي يمده بآليات التحليل، خاصة آليات تأويل النصوص التي تمكنه من جعل النص يفصح عن الجوهري داخله بالاستناد على مبدأ الانطلاق من النص، بحيث أن لا شيء خارجه، وهو ما يؤطره الغذامي ضمن مقولة"النقد النصوصي العام". فلهذا النص تاريخيته، كما هو طرح التاريخية الجديدة، وهو أيضاً نص دنيوي كما هو عند إدوارد سعيد الذي يعتبر "أن النص ينبغي أن يكون في العالم in the world باعتباره إنتاج ذلك العالم، ومؤثراً فيه في الوقت نفسه" (19) .وإن أهم ما يلتقي فيه الغذامي وفنسنت ليتشLeitchهوأن النقد الثقافي لا يؤطر نفسه ضمن التصنيف المؤسساتي للنص الجمالي، إذ يرى الغذامي أن هناك تواطؤا مخيباً للآمال بين الجمالي والنسق الثقافي، وبالتالي فإنه ينبغي الكف عن التعامل مع الجمالي وتكريسه، وهي الوظيفة التي يقوم بها عمليا النقد الأدبي.

إن حرص الغذامي على استحضار المنجز النقدي الثقافي الغربي وإخضاع بعضه للنقد والمساءلة هو، في جوهره، تأكيد أولاً على اطلاعه العميق على هذا المنجز، ورد على مقولات المطابقة والاغتراب والاستلاب التي يُتهم بها النقاد الحداثيون الذين يسترفدون المناهج الغربية، والغذامي نفسه لم ينج من ذلك التشهير منذ صدور كتابه الشهير(الخطيئة والتكفير). إنه يحمل رهاناً مزدوجاً يجمع بين الامتداد الذي هو عنصر مركزي في بناء نظريات جديدة، مجسداً، ربما، كنه المقولة المسكوكة، إن الجديد هو قتل القديم بحثاً، والقطيعة التي تمكن من تحقيق نقلة على مستويين آخرين هما القصدية والجهاز المفهومي.

Pages