كتاب " النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية " ، تأليف عبد الرزاق المصباحي ، والذي صدر عن مؤسسة الرحاب الحديثة للنشر والتوزيع .
You are here
قراءة كتاب النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية
2-1 عبدالنبي اصطيف:الحياة المنفتحة للنقد الأدبي
مُعبرٌ هو عنوان "بل نقد أدبي" الذي اختاره الدكتور عبدالنبي اصطيف لمبحثه رداً على مبحث الغذامي " موت النقد الأدبي: النقد الثقافي بديلاً منهجياً عنه"، فحرف العطف"بل"، كما نعلم، يحمل معنى الاستدراك والإضراب، بما يعني الإشارة إلى خطأ التصور الذي يقدمه الغذامي عن النقد الأدبي بوصفه "فنّاً في البلاغة التي اختطفته من الفلسفة"(28) وليس فقط اختلاف هذا التصور أو مغايرته، أو على الأقل هو تصور قاصر "يتجاهل أن النقد الأدبي أفاد من التطورات الهائلة التي عرفتها مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية في النصف الثاني من القرن العشرين"(29). والتركيز على الجانب الاجتماعي والإنساني لدى اصطيف يوازيه، ضمنياً، رفض فكرة أن وظيفة النقد الأدبي تنحصر في مجرد إعادة وظيفة البلاغة المتمثلة عند الغذامي في البحث في جمالية الجميل" فالنقد الأدبي قادر أيضاً على "تدبر ضروب الإنتاج الثقافي الأخرى التي هي من شأنه" (30) .ولا يتفق اصطيف مع القول بقدرة الأنساق على مخاتلة النقد الأدبي، والتسرب إلى أدواته لأنه عبارة عن "جملة من العمليات الذهنية الواعية والقصدية التي تحكمها إجراءاتها الصارمة ومعاييرها المحددة، ونواظمها المتعارف عليها" (31)، أي أنه خطاب لوغوسي، عقلاني، له آلياته المخصوصة ومفاهيمه المحددة، ووعيه الحادّ بموضوعه التي تنتبه إلى تفاعلاته المربكة وحركيته المستمرة حتى لو تسربلت تلك الحركية بلبوس المضمر النسقي.
إن "اصطيف" ينفي عن النقد الأدبي صفة اللاّعقلانية واللاّفاعلية التي يقول الغذامي إنها عيوب نسقية تسربت من الشعر إلى النقد الأدبي (مجسداً في البلاغة) وكرست خطاباً سحرانياً ولاعقلانياً. بينما النقد الأدبي، في نظر اصطيف، لا ينفك عن علاقته الأكيدة بالعالم وبالوسط الاجتماعي الذي يؤثر فيه على نحو معقد "فالنقد نشاط دنيويWorldly ذو طابع اجتماعي" (32). وهذه النشاطية الاجتماعية تتمظهر في وجوه عدة، منها أن موضوع النقد الأدبي، أي الأدب، لا يمكن فصله عن وسط اجتماعي ما، وأن النقد إنشاء موجه إلى الآخر بغاية تحقيق فائدة اجتماعية. كما أن الأعراف الجمالية، في عمقها، أعراف اجتماعية، ما يفسر اختلافها من بنية ثقافية لأخرى؛ بل من شخص لآخر، ومن ثم فلن يكون الجمال مجرد نزوة شكلية بل بنية اجتماعية دالة، وهو ما يقره النقد الأدبي وينفيه الغذامي عنه، باعتباره لا يميز بين طبيعة الأدب وأهمية الأدب، فوظيفة النقد الأدبي هي تحديد طبيعة الأدب، بوصفه فناً جميلاً، ممتلكاً للوظيفةِ الجماليّةِ الناظمة لباقي الوظائف؛ أما أهمية الأدب " فتتحدد بمعايير ومقاييس فوق- أدبية"(33) ، والغذامي يُغفل هذه الحقيقة لأنه ينطلق من تصور خاص للنقد الأدبي "وهو تصور محفوز بغرضه"(34) الذي هو الأنساق الثقافية التي يرى أن النقد الأدبي عاجز عن كشفها. وهو ما يعتبره اصطيف مجرد افتتان بما حققه النقد الثقافي في الغرب؛ الذي "لم يلغِ دور النقد الأدبي"(35) رغم الأهمية القصوى لما حققه من نتائج.
ينفتح تصور "عبدالنبي اصطيف" على مختلف المقاربات التي يمكن أن تسعف في استكناه الخطاب الأدبي والاقتراب من جوهره المخاتل، فهو إذا كان يرجع تحديد طبيعة الأدب للنقد الأدبي، فإنه ترك أهمية الأدب ودوره الثقافي وتفاعلاته الممكنة مفتوحة لنشاطية نقدية أخرى، لعل أبرزها النقد الثقافي الذي يمكن "أن يتكامل مع النقد الأدبي"(36) رغم اختلاف وظائفهما. ومقولة تكامل الوظائف بين النشاطيتين النقديتين هي ردٌّ على مقولة "موت النقد الأدبي" الداعية، في جوهرها، إلى إلغاء الصوت المختلف وإلجامه والتعالي عليه، بما يكون تكريسا للفحولة والنسق الثقافي الناسخ؛ بيد أن قول اصطيف إن الدراسات الثقافية في الغرب لم تلغ دور النقد الأدبي هو قول لا ينفي، بأية حال، الصراع الطاحن بين مؤسسة الدراسات الأدبية والنقد اليساري الذي قاده في أمريكا الناقد الراديكالي لويس كامب أحد أكبر المناوئين لمؤسسة الدراسات الأدبية التي كانت في نظره "تقوي تكريس تفوق الطبقة الرأسمالية بتواطئ مع الجامعة" (37) ، بوساطة سلسلة مقالات نشرها بين عامي 1967 و1970 في مجلات مثل: هاربر، الأمة، والتغيير...، فالناقد الراديكالي في نظره ينبغي أن يدمر المعتقدات والإجراءات الموروثة، ويجعل من الأدب أداة في التحريض والمقاومة، ومن ثم كان انتقادكامب الشديد والشامل لمختلف "مدارس النقد السائدة من الشكلية إلى نقد الأسطورة إلى الوجودية إلى البنيوية لرفضها ربط الأدب بالحياة والفكر بالفعل" (38)، وهو هنا محفوز بنزعة التزام واضحة، كما رفاقه الراديكاليون، أومان، ولاونر، وفرانكلين.... الذين يَعتبرون أن المؤسسة الأدبية ظلت منافحة عن البورجوازية، ومعادية للبروليتاريا... ولقد أثار هذا التوجه الراديكالي دارساً ثقافياً لامعاً في أمريكا هو إدوارد سعيد، أحد أبرز المروجين للنقد الثقافي ما بعد الماركسي، الذي أكد أن "أي نقد يشجع على التأنف والتقديس و/أو عدم التدخل يصيب نفسه بالعجز والبعد عن مجاله، ثم يشل مشروع النقد بفصله عن الثقافة والمجتمع" (39)، منتقدا بشكل مزدوج، هنا، النقد الراديكالي الماركسي المنغلق على عقيدة الحزب ومدرسته التي تؤدي إلى التقديس المطلق والأعمى، ثم مؤسسة الدراسات الأدبية التي تنغلق في مجرد الشكل والجمال، وتفصل، بالتالي، في تعسف، الإبداع والممارسة النقدية عن التفاعلات المركبة مع الثقافة والمجتمع، ولقد جمع ناقد ثقافي آخر ومنظر للماركسية الجديدة هو فريدريك جيمسون بين هذه العلاقات المركبة التي أشار إليها إدوارد سعيد حينما "سعى، في ممارسته للنقد الثقافي، إلى تركيب أعظم ليس فقط من الماركسية الجديدة وما بعد البنيوية، وإنما كذلك نقد الأسطورة، وعلم التأويل" (40).
وإذن، فلقد كان هناك صراع قوي بين مؤسسة الدراسات الأدبية والدراسات الثقافية في الغرب، بلغ درجة الراديكالية كما عند لويس كامب ورفاقه، ولكن، بالموازاة مع ذلك، نشأت تصورات أخرى، ومنها تصور فريدريك جيمسون، تذهب بالإبداع إلى أكثر من توصيف الجمال الإبداعي، وأبعد من مجرد منافحته والتموقف الأعمى ضده، وإن الغذامي يقول بهذا التصور، أيضاً، حين يصرح "أن النقد الثقافي لا يلغي البعد الجمالي، بل إنه يُوافق النقد الأدبي فيه، ولكن يأخذ بالنص إلى أبعد من ذلك" (41)، لكن تموقفه الشديد من الجمالي وتحذيره من مخاطره، معتبراً إياه متواطئا مع الأنساق وساتراً لها، جعل أول مهام النقد الثقافي نسخَ وإلغاء الجميل.
ومنه، فإن عبدالنبي اصطيف يحاول، في هذا الحوار الثقافي، أن يقرب وجهتي نظر مختلفتين، وهذا الإيمان بالاختلاف قاده إلى الاعتراف للغذامي بالسمو الفكري، معتبرا أن مشاريعه النقدية والثقافية "كانت باستمرار حافزاً قوياً على التفكير والمساءلة، لكونهما من أهم وظائف الناقد/ المثقف" (42).

