كتاب " نازك خانم " ، تأليف لينا هويان الحسن ، والذي صدر عن منشورات الضفاف للنشر
You are here
قراءة كتاب نازك خانم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
ومن يومها اعتادت تشغيل مخيلتها وحدسها لتختار عطرها.
مجيب شان الذي يملك إحدى المعاطر كان يقول إن الأثرياء هم الزبائن الحذرين، يبحثون عن الشيء الذي يبعدهم عن العموم. حين استثمر بعض أمواله في العطر، كان مدفوعًا بهوسه بالروائح.
كان حادًّا في دفاعه عن تأمين الحماية لمبتكر العطر والماركة التي تستثمره معًا، فيرتبط مصير الجهتين بالعطر نفسه، وهذا برأيه، يخفف من خطر العطور المقلدة. كان يبحث عن المبتكرين الجدد حتى لا يسود الفراغ، مكان المبتكرين الكبار... هكذا، عثر وارن على مكانه كأحد المسؤولين الشميين في معطرة مجيب شان.
«أريد اسمًا يمسكني لا يسمح لي بالانزلاق أو الانحشار». هكذا، صاحت نازك في وجه أول رجل بحياتها وهو يدلعها «نانا» ماهذه السخافة؟! أنتم الرجال تخترعون لنا اسم الدلع لتخففوا من وهج الأحرف وقدراتها... تستكثرون علينا حروف أسمائنا... «نانا « يمكنك أن تطلقه على قطتك يا بيك. لا يمكن أن أسمح لأحد أن يناديني باسم يمحوه الآخرون بسهولة، اسم خافت مثل بصيص قنديل خفي. كانت تريد لمعانًا قويًّا، انبهارًا، غزوًا ضوئيًّا.
ذلك البيك الأول الذي كان في حياتها وهي في السابعة عشرة من عمرها. كان المحامي القادم حديثًا من باريس وهو الذي زرع في بالها فكرة الذهاب إلى باريس، دون أن يقصد ذلك مطلقًا. لمدة سنة وهو يحدثها في كل ليلة عن مقهى فلور، وبار الكوبول... وكل تلك المقاهي التي تطل على سان جيرمان... والنساء الرشيقات اللواتي يمشين في عروض الأزياء، ومنه لأول مرة سمعت عن بيكاسو، الفنان الإسباني الذي تجلس أمامه النساء عاريات ليرسمهن بهيئة مكعبات، ومنه سمعت عن دورا مار، ملهمته، وقامت بقص كل صورها من المجلات التي تحتوي صورًا للوحاته وكانت مغرمة بملامح دورا مار الباكية المتفجرة، ذلك المحامي أذهلته ذات مرة نازك التي لم تكن قد تجاوزت السابعة عشرة من عمرها وهي تقول بينما تتمعن في ملامح لوحة رسمها بيكاسو لدورا مار: “إنها تشبه كل النساء إنها حقيقتنا جميعنا بنات حواء”.
المحامي كان مع كل كتاب جديد ينصحها به يفتّح عينيها على شيء جديد. كان مغرمًا بالفن، ولم تجد حرجًا في التعري أمامه ليرسمها. قدّس جمالها، كان يقبلها من رأسها حتى أخمص قدميها وهو يهمس: ما ألذّك! ما أجملك! لكنه عندما طلب منها الزواج، رفضت. وحين سألها تبرير رفضها بعد أن وعدته أن تكون زوجة له. قالت له: “وقتها لم أكن قد اكتشفت أنني جميلة إلى هذا الحد! أنا أجمل من أتزوجك!
نازك ولدت في قصر فاخر من الرخام والمرمر على سفح جبل قاسيون، له إطلالة ساحرة على دمشق.
كانت الأخت الكبرى لأخوات لا يطقن وجودها في حياتهن.
ماتت أمها أثناء ولادتها، وتزوج أبوها بأخرى. وتلك أنجبت خمس بنات ولم تنجب الوريث الذكر الذي تنتظره كل عائلة شرقية.
لا يمكن اعتبار شقيقاتها قبيحات أبدًا، إلا إذا وقفت نازك بينهن. عندما وصلت باريس، كانت نازك الفتاة الوحيدة في السوربون التي لا تمتلك، في السكن الجامعي، صورة عائلية. فقط صورة واحدة تجمعها مع أبيها.
زوجة الأب وصفت ابنة زوجها، نازك الجميلة، بالوقحة والفاجرة. لكن ذلك لم يبعد العرسان عنها ولا يمرّ أسبوع، إلا وزوجة الأب مضطرة لتحضير استقبال لخاطب جديد.
نازك كانت قد وضعت في بالها فكرة مغادرة دمشق إلى أي مكان في العالم لا توجد فيه زوجة أبيها. لهذا، لم تكن تكترث للخطّاب. وفي كل مرة تجد عذرًا لرفض خاطب جديد يطرق بابها. وفي الوقت نفسه تحاول إقناع أبيها بفكرة كان يرفضها تمامًا، ولم يوافق قط على فكرة ذهاب ابنته لدراسة القانون في فرنسا عند خالها الذي يعيش هناك مع زوجته الفرنسية.
زوجة الأب أخيرًاً سهلت مخطط الجميلة نازك، دون أن تدري أنها ستلعب دورًا حاسما بتحقيق أحلام الفتاة. وذلك عندما استأجرت رجلًا يقفز الى شرفتها ليلًا بحيث يراه الحارس وتضمن فضيحة لنازك. حدث بالفعل ما خططت له، زوجة الأب، وبكت نازك بكاءً مرًّا وهي تنكر أنها تستقبل رجلًا غريبًا في غرفتها ليلًا. بعد أن حبسها أبوها ليلتين متتاليتين وفكر مليًّا بحلّ جدي لابنته العنيدة، قرر إرسالها إلى فرنسا حيث يمكن أن تكمل دراستها.
لكنه لم يفطن أبدًا إلى أن ابنته تريد الذهاب إلى رسامين يرسمون صورًا سرية بالفحم. وفتيات عاريات يزين كازينوات تصرف أموالًا طائلة على الديكورات، أما الملابس فلا تكلف شيئًا. نازك كانت تحمل «سوفنير» لفتاة عارية من البلاستيك اللدن كانت تلك الفتيات يبعنها على أبواب الكازينوات كان قد جلبها له حبيبها المحامي، أيضًا تذاكر لدخول دور سينما تعرض الأفلام الإباحية المكشوفة، وكل روادها من أهل قرى فرنسا والعرب. كان المحامي قد التقط صورًا كثيرة في باريس في شارع فيفين حي الصحافة في باريس ونادي كارول في الشانزليزيه، وفي مقهى بيونت للوجبات السريعة في الحي اللاتيني، وقوس النصر في ميدان الإتوال... كل تلك الأماكن التقطت فيها صورًا وأرسلتها إلى أبيها الذي أعجبته صورة لها مع السناجب في غابة بولونيا قام بتأطيرها بالموزاييك وتعليقها في مكتبه.
نمرّ بلحظات حلوة أو قبيحة، لطيفة أو لئيمة عادية أو مبتكرة، يمكن أن نراها بومضة خاطفة... لولا بكرة الفيلم لما تمتعنا بشكل جديد من الاتصال مع الماضي غير المخيلة، بواسطة الصور نقلب صفحاتنا الفذة المدهشة التي أحرزناها. مع مرور الزمن نعاملها كتحف فنية بعاطفة قمعية وجائرة، وكل صورة مر عليها يوم واحد بمثابة حزن.
يظل القلب “الفلتر” الأخير لصور ذاكرتنا. هكذا، تعلمت نازك من الحياة: فما يقوله القلب صحيح بالمطلق. لأن الشجاعة مسكنها القلب، وعندما نكون شجعانًا، فإن قلوبنا صادقة لا تقوى على الخداع.
نازك كثيرًا ما كانت تتصفح صورها القديمة وتشاهد نفسها وافقة بحضن الماضي وتعترف لنفسها: نعشق فنزهو بأنفسنا ونفقد أدنى شعور بالاعتدال، لطالما أضاعت بوصلتها كلما عشقت. بعض الصور تبدو كأمنية متقدة... جميل أن يسمح لنا اختراع مثل الكاميرا بنسخ لحظاتنا بدقة آلية، فنحصل على ما يشبه الاكتمال الذي نتعطش إليه فقط في الصور: مبتسمين أنيقين نرتدي ابتسامة محددة، تمامًا كما نرتدي ثيابًا بعينها، لأجل التقاط صورة. مع الوقت وبعد كل قصة حب مخيبة تصبح وجوهنا أقرب إلى الحقيقة. نواجه أنفسنا، الحب يزيد من عيار الشجاعة فنصفع أنفسنا بحقائق مرّة لكننا نتذكرها لنتفادى عيوب الحب القادم.
أمام ألبوماتنا نعترف بالشوق المسلّم به لأيامها الفائتة.


