كتاب " سيرة طائر الليل " ، تأليف بشير مفتي ، والذي صدر عن منشورات الضفاف للنشر والتوزيع ، نقرأ من مقدمة الكتاب :
You are here
قراءة كتاب سيرة طائر الليل
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
عن المثقف الذي يسقط..عن المثقف الذي ينهض
فتحت الثورات الشعبية التي عرفتها كلٌّ من تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا ملفات كثيرة كانت أُغلقت، أو طُويت صفحاتها من زمن، أو لم تعد تخدش حياء الكتّاب والمثقفين العرب بوصفها تحوّلت معطى ثابتًا في الدول المعنية، حيث غطّى الاستبداد السياسي على قيم وأخلاقيات كثيرة كانت إلى وقت قريب ترمز إلى ما يمكن أن يمثّله المثقف من أهمية رمزية في تثبيت معاني تلك القيم والأخلاقيات.
وأهم تلك الملفات: مشاركة الكتّاب العرب أنفسهم في سياسة تلك الأنظمة، وتعاملهم معها على أنها أمر واقع لا يمكن الفكاك من سطوته، أو التخلص من قبضته. صحيح أن الاستثناءات ظلت دائمًا موجودة، وأن أغلب الكتّاب لم يتحول- إلا في حالات نادرة- إلى بوق دعائيّ لهذا النظام أو ذاك، لكن تمت تسوية العلاقة بطريقة أخرى، أو بطريقة ملتوية جعلت هذا الكاتب أو المفكر أو الأستاذ الجامعي قابلاً بالمشاركة غير النقدية، أي الدخول في تلك الوصاية، حتى لو تعارضت تلك المشاركة مع أبسط القناعات التي نتعلمها من الفكر الحر والثقافة التي نكتسبها على مر الزمان، أي: "الحرية النقدية".
الكثير يجد فرصة اليوم للنيل من المثقفين والكتّاب العرب، ونقد عطالتهم السلبية في عدم القيام بأي دور، وغيابهم المؤلم عن صفحة الثورات المشرقة التي عرفتها بلدانهم، أو دورهم الضعيف والمحدود، إن استثنينا بعض الأسماء التي انخرطت معنويًّا وجسديًّا في قلب معركة الحرية تلك، وهناك من يحمّلهم تلك الإخفاقات الشنيعة. الحق أن من الصعب في زنـزانة العتمة التي كان يعيشها الجميع- شعوبًا ونخبًا- المحاكمة الأخلاقية، حتى وإن بدت رمزيًّا ضرورية ليتحمل كل طرف مسؤوليته الفكرية. هي سهلة طبعًا بعدما "ظهر الحق وزهق الباطل"، من دون القيام بعملية حفرية في المسار التاريخي لتلك النخب التي واجهت في مرات كثيرة وحدها الاستبداد السياسي والعسكري، وكلّفها ذلك غاليًا من دون أن تجد من يسندها في رغباتها التحررية تلك من طرف تلك الشعوب التي تكفلت الأصوليات الدينية المتطرفة تخويفها من القيم الحداثية، بما فيها العلمانية والديمقراطيةوالحرية.
إذا حاولنا القيام بهذه السيرة الغائبة حتى الآن، فستكون حتمًا تحت عنوان: "سيرة المثقف العربـي من رفض الاستبداد إلى التعايش معه من دون نقد". حتى وإن استعمل النقد، فلم يكن الهدف منه تحرير الذات من عبوديتها، بقدر ما كان يوجَّه لصالح ذلك الاستبداد الذي كان يمنح هوامش للتنفيس النقدي عبر تلك القنوات الثقافية، كدليل على قدْر من الحريات يوفرها للنخبة كي تتأسف وتتأسى على الأوضاع التي تعيش بداخلها.
وما يلفت النظر أيضًا أن شراكة المثقف العربـي وقبوله بقواعد اللعبة في البداية، قاداه بعد سنوات إلى التساهل الشنيع مع الاستبداد والخضوع لسطوته بالفعل، وحتى تسخير القلم لخدمة وهمية عظمة تحتاج لتحليل نفسي جديد لكشف عقدها الداخلية. تكشف المقالات النقدية لكتّاب عرب من "النوع الثقيل" عن "أدب" ديكتاتور مثل القذافي، مدى الانحطاط الأخلاقي الذي وصلت إليه تلك النخبة التي ورّطت نفسها بعد سنوات من الرفض وعدم القبول في لعبة الخضوع، والاستسلام غير الذكي لأوهام أشخاص مرضى في الحكم كانوا مستعدين لشراء الثناء والمدح بأي ثمن من طرف "طليعة القوم" و"آخر قلاع الحرية" كما يسمّون أنفسهم عادة.


