"شهرزاد تقطف الزعتر في عنبتا"؛ رواية بطلها اللابطل، الإنسان الفلسطيني العادي الذي يناضل للبقاء على قيد الحياة في ظروف تشده في كل لحظة الى الموت.
أنت هنا
قراءة كتاب شهرزاد تقطف الزعتر في عنبتا
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 3
كان حين ينضم إلى مجالس العائلة على سطح بيت عمي أبو الأمين في ليالي الصيف، لا يجلس بين أقرانه من العجائز، بل يجلس بيننا، شباب وفتيان العائلة: أنا وسمير وماجد وأسامة، أولاد إخوته، لأنه دائما يروي لنا نوادر لا يتقبلها العجائز بسبب طابعها المتحرر، وخاصة حين يتحدث عن بنات اليوم اللواتي يخرجن من البيت فارعات دارعات، وبشنجلن مع أي مارق طريق، وننفجر ضاحكين، مما يثير ريبة السامرين من الكبار، وخاصة عمي أبو الأمين الذي لم يكن يرتاح كثيرا لجلوس عمي محمود بيننا· والغريب أن عمي أبو الأمين، رغم تدينه، اعترض حين قام والدي وأعمامي لأداء صلاة العشاء يوما، ففوجئ بعمي محمود ينضم اليهم، على غير عادته، ونهره، لأنه كان، في رأيه، في غير مكانه، بين المصلين·
إذن لا عجب أن شخصية عمي محمود كانت وما زالت تحوز إعجاب شباب وصبايا العائلة، لطرافتها، وحكمتها في التعامل مع الأمور، وخير دليل على ذلك أن لديه جوابا لكل سؤال يصدر عن أم فايز مهما كان غريبا أو صعبا· وحين وجّهت له أم فايز السؤال البسيط التالي: وينتا بدهم ينسحبوا يا محمود؟ (تعني انسحاب الإسرائيليين من الضفة الغربية)
نظر إليها بحيرة، ولكنه لم يتردد، فجوابه حاضر دائما: يوم الأربعاء
ولم تستغرب أم فايز من اللهجة الواثقة التي كان يتحدث بها عمي محمود، وسكتت·
ولكن يوم الأربعاء تحديدا جاءت قوات اسرائيلية لاعتقال هيثم ابن الجيران، فاستغربت أم فايز أنهم لم ينسحبوا حتى الآن، وراجعت زوجها في الأمر:
- بشوف منسحبوش يا محمود؟
ولا تظنوا أن عمي محمود ارتبك أو وقع في حيرة، بل كان جوابه جاهزا هذه المرة أيضا:
- مش هاي الأربعا
مرة أخرى تبدت حكمة عمي محمود ليس فقط في حسن تعامله مع أسئلة أم فايز المحيرة، بل أيضا في إدراكه لحقيقة أن الناس هناك، في الضفة الغربية وقطاع غزة، يعيشون بانتظار أربعاء أخرى، وربما هذا هو ما يمدهم بالطاقة على احتمال حياتهم التي تقارب قسوتها الخيال، وابتكار وسائل للتحايل على وضع وصفه لا يحتمل، فكيف بمعايشته؟ وسر هذه القدرة يكمن في الحكمة التي اكتشفها ولخصها عمي محمود: يوم الأربعاء سيتغير الوضع فجأة : ستنسحب القوات الإسرائيلية وتقوم الدولة العتيدة التي ستقضي على البطالة والبؤس وتضمد الجراح وتوزع التفاح وتنعش الأرواح، كل هذا سيحصل، يوم الأربعاء، ولكن أي أربعاء؟ غير مهم·······


