أنت هنا

قراءة كتاب ليلة الهدهد

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
ليلة الهدهد

ليلة الهدهد

"ليلة الهدهد" إصدار روائي عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2013. للكاتب العراقي المقيم في السويد إبراهيم أحمد، يقول الروائي عن ليلة الهدهد التي كتبت فصولها بين آب 2000 ونيسان 2013 في السويد وبغداد والقاهرة:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 1
(1)
 
هذا ما حدث، لكم أن لا تصدقوا!
 
لم يكن أحد ممن يعرفون السيد يونس رحيم، أو سمعوا به، يتصور أن هذا الرجل الهرم جداً، الهزيل الجسد، الكليل البصر، سيكون بطل حكاية عجيبة مثيرة لا تصدق· لذا فإن من يسمعها يعتقد إنه قد جن، أو اعتراه خرف الهرمين، بل ربما حل في جسده شبح ماكر، أو أحد الكائنات الأسطورية التي يقال أنها تستوطن هذه القلعة العريقة الموغلة في القدم، والتي تحوي سكنه الصغير· من يفكر بغير ذلك، يتصوره شاباً أو كهلاً نشيطاً؛ فهو إذا كان صادقاً فلابد إنه بقوة وحيوية تمكنه من خوض غمار هذه الرحلة الهائلة الطويلة المرهقة، ويعود منها سالماً ليرويها بذاكرة متقدة جلية كاللهب· وإذا كان دعياً كاذباً كما قيل، فإن حكايته تدل على خيال جامح، لا يمتلكه الشيوخ العازفون عن الحياة؛ واقعاً أو خيالاً!
 
منذ سنوات اعتكف يونس في قلعة أربيل كنسر عتيق فقد ريشه وأحلامه ورونقه· يعيش عزلة طويلة، وحصاراً ونبذاً من رفاقه، ومعظم أصدقائه القدامى·
 
في عصر رائقٍ خالطته نسمات باردة منعشة بعد ظهيرة ساخنة، التقى أصدقاء قلة تبقوا معه، رغم اللوم والتقريع والشكوك المسلطة عليهم من حزبهم وأصدقائهم الآخرين، وراح يروى لهم ما حدث له، وما رأى· بعضهم نقل ما سمعه منه بتفصيلات وقائعه، بنفس عفويته وحرارته في الحديث، بعضهم أطفأ كل شيء، وسفهه وأحاله ثرثرة مضحكة· ثمة شاب أجهد نفسه في صياغتها مقارباً الشعر، فجاءت غامضة جداً، قريبة من الطلاسم· آخر نظمها شعراً باللهجة الدارجة، وصيرها مرة مراثيً، ومرة نكاتاً· رغم تعدد الروي، واختلاف الكلمات والأساليب، أدرك من قرأها أو سمعها غرابة ما حدث· فمضوا يتناقلونها إلى بيوتهم، أو البارات والمقاهي· ثمة من وجد حكايته مشوقة مسلية ومضحكة، أو حزينة كئيبة تبعث على الأسى والملل، ولكنها كالحكايات القديمة؛ لا تخلو من عبرة· أخذ البعض وقائعها كمسلماتٍ وحقائق واضحة· بينما تداولها آخرون خرافات وتهيؤات وأوهاماً، خاصة بعد أن نمت وتضخمت على الألسن ورذاذ الأفواه· انتشرت الحكاية على أي حال· أضحى يونس مقصداً لكثيرين، يستحثونه للحديث بها ؛فيصغون له بانتباه وتعاطف، أو برثاء وإشفاق· بعضهم مست حكايته أوضاعهم أو سمعتهم، قالوا إنها(هراء وسخف، وإن بطلها هذا دعي ُ بلغ به الخرف والهذيان حداً يجب أن يحجر عليه بقرار محكمة؛ لتحكم أن كلامه وأحلامه وتصرفاته المادية والمالية لاغية أيضاً)؛رغم إنه لا يملك من حطام الدنيا شيئاً!
 
ظل يونس غير مكترث لما يثار حوله، متحدثاً بهدوء لمن يزوره، مختتماً كلامه دائماً بلازمة:
 
- هذا ما حدث، لكم أن لا تصدقوا!
 
تكاثر مستطلعو حكايته، والمتقصون لأصولها، بعد أن نمت كشجرة في جزيرة نائية مجهولة تحمل فاكهة غريبة: وجوهاً وكتباً، جواهر ولعباً، قناني خمور، وعظام طيور، هياكل أناس تعذبوا وماتوا، أناس لم يولدوا بعد· ورغم طولها وكآبتها وجدها البعض لا تخلو من تشويق ومتعة و فائدة· كان في كل مرة مع تغييره في الكلمات أو التفاصيل، ونبرة كلامه، وحرارته لا يخرج عن فحواها المدهش وغير المعقول والصادم لبعضهم· كثيرون أيضاً وجدوا في كلامه خلاصة روح هائمة نادرة في هذا الوجود، وتمنوا لو يستطيعوا أن يمدوا في عمره ليسمعوا المزيد من حكمته الممزوجة بالحركة والطرافة، وتأسوا أن عمر الإنسان مهما طال بالأغذية والأدوية أو الأدعية لكنه ينتهي دائماً، وبينما تزداد حاجة الناس إليه، لا يستفيد من حكمته سوى دود القبور!

الصفحات