أنت هنا

قراءة كتاب هي قالت هذا

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
هي قالت هذا

هي قالت هذا

المجموعة القصصية  "هي قالت هذا"، 22 قصة انطوت تحت ثلاثة عناوين هي "أنفاس الليل.." و"أظافر صغيرة.." و"إذعان صغير" حيث ضم القسم الأول سبع قصص منها، أما القسم الثاني فاحتوى على ست قصص منها - كما ذكرت جريدة "السوم" السعودية - "أظافر صغيرة وناعمة" و"حالة فصام" و

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 4
هي قالت هذا
 
عندما كنت أسير في الشوارع وحيدًا، تلك الشوارع الترابية المثيرة للمخيلة ولكل المشاعر، كنت أرسم بقدمي لوحات كأنها موسيقى، أسير ببطء وعيناي على الأرض، أرسم خطًا واضحًا أقطعه بخط آخر، ثم دائرة ثم نقاطًا مبعثرة، تعزف على وتر الإحساس الحاد بوطأة الوقت، والوعي الحاد تجاه الكثير من الصور الاجتماعية المحيطة والمثيرة، لم أكن أفهم معنى لكثير من القصص التي أسمعها، كنت أظن أنها قصص من نسيج خيال جامح، فهل يعُقل أن هذا الشارع الطويل الذي أمر به كل يوم راسمًا الكثير من اللوحات بقدمي المتربتين، ينطوي على هذه الحكايات المثيرة للخوف والحزن والألم، والشفقة أيضًا، يتحدثون عن أشياء كثيرة مثيرة وغريبة، يتحدثون عن علاقة بين ذلك الشاب الوسيم الذي يعمل مدرسا وابنة مؤذن المسجد، وعن شباب من الحارة يمارسون اللواط في (خرابة) قريبة، ويتحدثون عن ذلك الشاب (منصور)، الذي نسمعه كثيرًا ولا نراه كأنــه أسطــورة مـن الزمن القديم، يقولون إنه في مساء الجمعة الماضية أشعل النار في جسده، وإن بيتهم تحول إلى كومة رماد، وإن (الولد) نقلـوه إلى المستشفى بين الحياة والموت، ثم أخيرًا فارق الحياة هنــاك·
 
قبل العصر بقليل أذهب بمشيتي البطيئة، قاصدًا بيت هذا الولد المتمرد، الذي قالت عنه أختي (مسكين)، وقالت عنه والدتي (مجرم)، رأسي إلى الأرض وقدماي ترسمان الخطوة على لوحة التـراب، هـذا هـو بيتهـم، ولكـن أيـن (كومـة الرمـاد) التـي يتحدثون عنها، لم يتغير في بيتهم شيء، أظل أمام باب البيت وقتًا ربما يخرج أحد منهم، قد أرى كومة الرماد في الداخل، أنتظر أن يفتح الباب حتى وصل والدهم وفي يديه كيسان من الخبز والبرتقال، يفتح باب بيت يدخل ويترك الباب مواربًا بانتظار ابنه، أطل على مدخل البيت وأرى فوق الستارة من الخلف علامات سودًا في أعلى الجدار كأنها آثار حريق (مثلاً) أو كأنها ···· لا أدري، الآن بدأت أمسك أول الخيوط، كومة الرماد تحولت إلى خيوط سود فقط، نعم كان هناك حريق ولكن ربما ليس مقصودًا، أعود وأنا غير قادر على الربط بين ما سمعت وما رأيت، أسمع حركة خلفي فألتفت، أرى ابنتهم الصغيرة تطل برأسها، كانت بجديلتيها المعهودتين وعينيها اللامعتين مثل عيني عصفور، وأنفها الأحمر الصغير والسن الكبيرة البارزة، تلاقت عيوننا، ابتسمت لها، كانت على وشك الدخول إلى بيتهم قبل أن تُخرج لي لسانها الأحمر ثم تبتسم وتختفي، وأنا عدت إلى شارعنا أحدث نفسي بأن الصورة الأخيرة لوجهها أفضل للمخيلة من كومة الرمــاد·
 
وصلت شارعنا الصغير الهادىء وأنا أفكر بأشياء كثيرة، لماذا يحاولون أن يقتلوا أنفسهم ؟ وتذكرت أن منصور كان مريضًا نفسيًا وأنه عانى كثيرًا قبل أن يموت، ولكن هل مات حقًا ؟ هل كان هناك حريق بالفعل ؟ كيف يحدث هذا وأخت منصور لا زالت تمارس عادتها بإخراج لسانها الصغير للمارة وتضحك ؟
 
رأيت صديقي خالد يجلس على عتبة الباب الخلفي للجيران وقد شمر عن ساعديه ورفع ثوبه إلى ما فوق ركبتيه، وبين يديه وفمه قطعة كبيرة من البطيخ يسيل ماؤها على وجهه، جلست بجواره حائرًا قلت له الحكاية كاملة، وأضفت عليها مخاوفي وأسئلتي··· لكن (خالد) سألني:
 
ــ من أخبرك بموت منصور؟
 
ــ قلت له: هي قالت هذا·
 
ــ سألني: من هــي ؟
 
ــ أجبت: أخـتـي·
 
ــ قال لي: أسكت، منصور مات في حادث آخر (ثم تلفت حوله)، سوف أخبرك فيما بعد·
 
كان خالد مرتبكًا، وأنا بدأت أشك في أشياء كثيرة حولي، وبدأت أيضًا أنسج حكاية جديدة لموت الولد الشهير والمتمرد منصور، تذكرت، لكنها بالتأكيد سوف تكون بعيدة عن بيتهم الذي لم يتحول بعد إلى كومة رماد، وقريبة من وجه طفل لأخته، يبدو أنني أحببته كثيرًا وهذا يكفيني ·

الصفحات