أنت هنا

قراءة كتاب أقرب بكثير مما تتصور

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أقرب بكثير مما تتصور

أقرب بكثير مما تتصور

المجموعة القصصية "أقرب بكثير مما تتصور"، للكاتبة بسمة النمري التي تتميز بلغتها وأسلوبها وشاعريتها. في هذه يكتشف القارئ قدرة كبيرة على استخدام الكلمات وتوظيفها ما يؤكد أن الكاتبة تتوفر على الطاقة شعرية كبيرة.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3
الحاجز الزجاجي
 
يهتزّ الحاجز الزجاجي الذي يعلو سور الشرفة الحجري بقوّةٍ، يرافق اهتزازه دويُّ ارتطامٍ مكتومٍ، ألتفتُ بسرعةٍ إلى مصدر الصوت فألمح طرف جناح الحمامة قبل أن تهوي وتغيب عن ناظري· يعتصر قلبي ألمٌ مباغتٌ، أشهق ملتاعةً وأركض نحوها، أنحني فوق الحافّة، أجوّل عينيّ بلهفةٍ ضارعةٍ بحثًا عنها فلا أعثر لها على أيّ أثرٍ··
 
أتراها تمكّنت من أن تعاود طيرانها؟··، أملٌ يائسٌ يراودني، سرعان ما ينطفيء وأنا أستعيد بمخيّلتي لحظة الإرتطام·
 
لن تنجو··، وأعود إلى فنجان قهوتي الذي كنت قد تركته على حافّة السور، أحمله وأرجع إلى حيث كنت·
 
قد تنجو··، وتدور عيناي تبحث عن أملٍ جديدٍ ينقذها·· وينقذني··
 
أرتشف قليلاً من القهوة، أحتفظ بها لفترةٍ وجيزةٍ في فمي قبل أن أتمكّن من ابتلاعها، فحلقي يكاد أن يتفلّق، وأشعر بأني أختنق، أضع يدي على صدري، أدلّك عظامه برؤوس أصابعي، أجاهد كي آخذ نفسًا عميقًا، ثم·· فجأةً·· أنهار باكيةً، تفاجئني دموعي وأخجل بها·
 
كلّ هذا الحزن لأجل طائرٍ صغيرٍ؟!··
 
ولِمَ لا؟!··
 
طيرٌ صغيرٌ وادعٌ تحطّمت عظامه الدقيقة على الحاجز الزجاجي المخادع، وأتذكّر·· وأتذكّر·· وأنتحب·· وبحرقةٍ·· ثم أهوي، يتلقّفني المقعد المجاور، أرتمي عليه منهكةً، أتناول فنجان القهوة، أسكب في فمي ما تبقّى منها دفعةً واحدةً، يداهمني فجأةً إحساسٌ بالغثيان، ودون وعيٍ أقذفها من فمي على الأرض·
 
علقم·· كيف لم أدرك مرارتها من قبل؟!·· حاجزٌ زجاجيٌّ آخر؟!·· وأنظر إلى بلاط الشرفة اللاَّمع النظيف كيف لوّثته بقع القهوة التي ارتشقتْ عليه، ثم أنظر إلى داخليعلقم··إلى هنا وينتهي كلّ شيء؟!··قد أستطيع أن أنقذ الحمامة····· أحيانًا تحتاج منّا المعجزة أن نمدّ لها يدًا كي تتمّ···
 
أنهض من جديد، أنحني فوق الحافّة، أبحث عن أيّ أثرٍ قد يساعدني في العثور عليها وإحساسٌ داخليٌّ يهتف بي أننّي سوف أراها· في الجهة المقابلة ألمح قطّ الشارع الأسود الأنيق يتهادى رشيقًا، يقطع الطريق نحوي، لطالما أثار إعجابي بلونه الداكن الغامض المثير، امتداد سوادٍ طاغٍ يجهر بحقيقة اللون دون أن تشوبه أيّة شائبة· تلاحقة عيناي وهو يرتقي بخفّةٍ الرصيف المحاذي للبيت، يتجاوزه ويسير إلى المنزل المجاور، يعبر من خلال قضبان البوّابة الحديديّة المغلقة إلى الحديقة المهجورة ثم يختفي بين النباتات والأعشاب التي تغطّي مساحة الأرض بين الأشجار، يداهمني إدراكٌ مفاجيءٌ للآتي، أهبط الدرجات وأركض مسرعةً·
 
عليّ أن أمدّ لها يدًا··، أقرع جرس بوّابة الجيران مرّاتٍ متتاليةٍ، أهزّ القضبان الحديديّة الصلدة، تحدث قعقعةً مرتفعةً ولا من مجيب، أفكّر لوهلةٍ بتسلّقها والنفاذ إلى الحديقة قبل أن يفوت الوقت، أنظر حولي، ثم أعدل، أمدّ بصري إلى الداخل، علّني·· بغتةً التقط حركةً مضطربةً بين الأعشاب··· يا إلهي·· أرجوك لا··، ألتقط حصاةً وأقذفها بقوّةٍ نحوها، فجأةً يقفز القطّ من خلالها، يتوقّف بحذرٍ متوجّسًّا، يتلفّت حوله مستكشفًا، بين فكّيه تنتفض الحمامة في محاولةٍ مستميتةٍ للخلاص، أهزّ القضبان بعنفٍ، أحشر وجهي بينها، أصرخ به ساخطةً متوسّلةً·· دعها·· دعها··، أقذفه بحصاةٍ أخرى تستقرّ قريبةً منه فيجفل، ينظر إليها بعمقٍ ثم يرفع بصره نحوي، يحدّق بي، يطيل التحديق إليّ ساكنًا دون أن يأتي بأيّة حركةٍ، تتلاقى عينانا لوهلةٍ فأرتجف·دعها·· دعها أرجوكأرجوك··
 
تنتفض الحمامة بحركةٍ أخيرةٍ قبل أن تهمد تمامًا، يحني القطّ رأسه جانبًا، يستدير ثم يمضي بهدوءٍ·

الصفحات