المجموعة القصصية "في انتظار الغريب" للكاتب العراقي محمود البياتي الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2008؛ هي مجموعة قصصية تتمتع بأسلوب شعري ولغة ثرية وفنية عالية، يرسم فيها الكاتب عالمه الداخلي ويعبر فيها عن تجربة عمر من الغربة والبعد عن الوطن.
أنت هنا
قراءة كتاب في انتظار الغريب
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 4
التجربة الفنية في القص
* *
التجربة جسر معلق بين الطموح والنتيجة· إلا أن النجاح ليس نتيجة طبيعية للطموح· فلا بد أن تتضافر معه شروط أخرى، مثل: استعداد فطري ومدروس، قدرة على الإنصات بانتباه إلى وقائع التاريخ العظمى، تفحص منجزات العصر في الأدب والفن والفلسفة والعلوم والتكنولوجيا الخ···
لم يكن ممكنا إضاءة المصابيح قبل أن نحك حجرا بحجر، ونعرف القبس، والشعلة، والسراج، والشموع·
ما الذي يحفزني على أن أكتب رغم النعاس والمرض وملاهي الحياة ؟
ربما الحاجة إلى معرفة: من أنا ؟ أو الرغبة في التواصل مع الآخرين، أو التآلف مع فكرة الموت، أو السعي لإحباط ألاعيب الجنون، أو البحث عن معنى الوجود وسبل تلطيفه، أو مداواة قروح العشق···
في كل الحالات تبقى الكتابة زحفًا، في ميدان إنساني عام، وعر وشاسع، نحو هدف يقع بعيدًا وراء ظهرنا· وللكتابة، كما أظن، جانب لا إرادي، كالضحك، كصراخ الفزع، كتأوهات النشوة· وهي بالنسبة لي كالأفيون أيضا·
يستعين القاص بمعايير نقد تعكس ذوقه ممزوجًا بالذوق الجماعي· غير أن الشك يلازم الإيمان بجودة ما يكتب· لذا يُخضع الكتابة إلى عمليات تجميل - تجويد متلاحقة (شطب، إضافات، شطب، إضافات···) بين ساعة وساعة، يوم ويوم، سنة وسنة، بلا توقف، حتى تصبح (مقبولة) من كليهما، منه هو (القاص) أولاً، ثم من القارئ - الذوق السائد·
لكل منا نموذج في فن القص· ولديه أسرار كذلك· فأنا أتعلم من اللوحات التشكيلية والموسيقى والغناء والبليارد وحتى الملاكمة· إن الفائز ليس بالضرورة المهاجم، ولا صاحب القامة الأطول، والعضلات الأكبر· لعل إتقان المراوغة وتفادي الضربات يحسم المنازلة لصالح الأضعف بدنيا !
الكتابة شهيق وزفير، قد تخلو من المتعة، لكنها - كالتنفس- ضرورية لبقائي على قيد الحياة·


