إلى كل الشهداء الذين سطروا بدمائهم محو عار الصمت
امتداداً من درعا البدء والغنم وقهر الصمت
وانتهاءٌ بحلب قريض الشهادة، وشهامة الردّ
وما بينهما
دمشق عطر التاريخ، وصخب الوقت، وأريج الوعد.
أنت هنا
قراءة كتاب خبز ودم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

خبز ودم
الصفحة رقم: 8
أوراق سورية تطل من ذاكرة الرماد
2- مكتشفات من زمن سرادقات الموت
قل لي: هل لك قصة ترويها ..؟
قل لي: هل لك حياة تزجيها..؟
لكن الليل مدلهم، والعتمة تتدفق فوق الآفاق، فلا رؤية يجليها قمر متكامل الأيام، ولا عتبة أمل يلقيها ربيع على الأبواب المتهالكة، تخفي خلف إغلاقها الهش أسرار سرادقات الموت.. فهل عندك مكتشفات تحن إلى شريط ذكرياتها فترويها، لتكون صرخة ألم مباحة، تنداح فوق تخوم ظلام أسود، لعلها تفكك سدفه المتراكمة كالموت المتبلد..
1- الاكتشاف الأول:
- قال لي وهو يبعد ناظريه عن وجهي: أريد أن أزورك..
- أرحب بك جاراً عزيزاً يا يوسف، اليوم مساءً إذا كان ذلك يناسبك.
- اليوم مساءً إن شاء الله بعد صلاة العشاء.. قالها وكأنه قد أفرغ حملاً ثقيلاً كان يتعب كاهله.
وكان المساء، ورجعت بصحبته من صلاة العشاء في مسجد الحي، وبعد أن استقر بنا الجلوس، نظرت في وجهه، تحت نور المصباح، كانت تضاريسه توحي بموج هائل يتفاعل في داخله، فيجعله مصراً على الصمت المتحفز، يدل عليه التململ المتكرر في جلسته داخل غرفة الاستقبال المتواضعة التي كنت أملكها.
المساء في أوله، والليل بدأ يرخي هدوءه على المكان، والجلسة الصامتة تعبأت دقائقها بالهواجس تجتاح كياني: تُرى .. ماذا يريد يوسف هذه المرة ..؟ إنه متخرج جديد من جامعة دمشق، قسم الرياضيات بتفوق، وكان كلما قابلني في الطريق أو بعد الصلاة في المسجد، يدير حديثه حول آماله في أن يكون عالماً في الرياضيات، تلك المادة التي أظهر حباً لها لا يبارى، وتفوقاً على الأقران فيها لا يمارى فيه، ولما كنت أحاول أن أوجه الحديث معه باتجاه الدعوة والالتزام والإسلام، كان يحاول التفلت بالقول:
- الحمد لله، أنا.. ولا يكمل.. ثم يلوذ بالصمت، محمر الوجه، مهموم البال، وعلامات حيرة تلوح في ملامحه، يحاول أن يكظمها، ويطرد وقدها بحركات يديه، وتسارع خطواته.. ثم السلام والوداع.

