في مقدمة كتابه "هل يرحل المسيحيون العرب؟"، يكتب الكاتب والباحث وهيب الشاعر: "بدأ اهتمامي بالبحث في المسيحية العربية بعد حشد من القراءات المتواصلة عن لبنان، حيث لعبت المسيحية دوراً مهماً في تاريخه الثريّ، والذي كان فاعلاً في تاريخ المشرق العربي في مختلف حقبا
أنت هنا
قراءة كتاب هل يرحل المسيحيون العرب؟
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

هل يرحل المسيحيون العرب؟
الصفحة رقم: 3
ومن أهم ما برز في هذا البحث التغيّر التاريخي الدرامي الحديث في نسب المسيحيين العرب في الهلال الخصيب ومصر إلى أشقائهم المسلمين· فلأسباب كثيرة هبطت نسبة المسيحيين في هذه المنطقة الحيوية في العالم العربي في القرن العشرين، من حوالي عشرين في المئة إلى حوالي سبعة بالمئة من مجموع السكان، وهو هبوط متسارع لم يشهد له تاريخ المنطقة مثيلاً، ولا أظنه قد توقّف أو تباطأ· ولذلك سوف يكون له أثر كبير جداً على مسيرة المستقبل· وقد أدى ذلك إلى أن ثلثي المسيحيين العرب يعيشون الآن في المهجر لأسباب كان أهمها اقتصادياً· كذلك فإن ضعف فرصهم في المواقع السياسية والإدارية العليا بشكل عام دفعهم لمزاولة أعمال تتعلق بالمال والتجارة والصناعة والمهن الحرة والخدمات·
ومما تجدر الإشارة إليه، في خلاصة هذا الكتاب، أنّ الإسلام والمسلمين وعبر أربعة عشر قرناً لم يبخلوا على أشقائهم المسيحيين إلا نادراً، كما حصل في عصور الدويلات المتتابعة أو ما تُسمى بعصور الانحطاط، وأيضاً في حكم المماليك، وأثناء الحروب الصليبية·
لقد نجح العرب بمكوناتهم الدينية المختلفة، بما فيها المسيحية، بأن يقدموا للحضارة الإنسانية حضارة لا تقل عن حضارات العالم شيئاً· ومن دلائل ذلك أن المسيحيين العرب، ورغم تناقص عددهم تناقصاً حاداً في منطقة الهلال الخصيب، إلا أن دورهم في حماية العربية والنهضة بها وبآدابها كان فاعلاً·
لقد رحّب المسيحيون العرب بالفتوحات الإسلامية لبلاد الشام والهلال الخصيب، بالنظر للروابط العرقية والقبلية واللغوية، ولأن جور الكنيسة البيزنطية كان لا يُطاق، حتى إنهم في بعض الأحيان قاسموا المسلمين كنائسهم؛ فخصّصوا أوقاتاً لصلاتهم فيها وأوقاتاً لصلاة المسلمين·
ومما يضاعف من قيمة دور المسيحيين العرب إدراكهم الكامل بأن علاقاتهم مع الغرب غير مضمونة ولا متكافئة، تشبه علاقاتهم مع أي عدوٍ طامع يخطط لخدمة الصهيونية· فضلاً عن ذلك، فإن هناك مؤشرات مفصليّة ساهمت في إعادة تقييم علاقاتهم بالغرب، ومن أبرزها وعد بلفور، الذي هو إعلان صريح بتجاهل حقوق العرب بفلسطين، مسلمين ومسيحيين·
لقد بدأ مسيحيو المشرق يميلون إلى إدراك أنهم يتوحدون بين بعضهم بعضاً بسمات جوهرية توثق عُرى التواصل بينهم اجتماعياً وثقافياً ومصيرياً، وهذا الأمر سيحتاج إلى وقت طويل ليعطي ثماراً، رغم شعورهم أحياناً بالاغتراب بين العرب المسلمين، وقلة الأمن أحياناً·
لقد ساهم هذا الفصل المهم في تاريخ العرب الحديث في تلاحم المجتمعات العربية الداخلية، وإطارها القومي من المسلمين والمسيحيين، وضاعف من أدائهم حيث برز المسيحيون خاصة بسبب تراجع أعدادهم النسبية·

