ذكرياتنا هل تموت؟ ربما نفقد بعضها وربما يخفت البعض الآخر منها لكن الجزء الحبيب والعميق في النفس يظل الصدى يهز شغاف القلب بين الحين والحين··
أنت هنا
قراءة كتاب شخصيات وذكريات - المجموعة الثانية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

شخصيات وذكريات - المجموعة الثانية
الصفحة رقم: 5
أمّا وهو يختار مكاناً، كبيروت أو عمّان، لنشر هذه الذكريات مجتمعة، فإنّه من خلال هذا الاختيار يبعث برسائل عديدة:
أُولى هذه الرسائل أن يعيد ربط ما انقطع من العلاقات، خاصة وهو يستعرض حياة وإنجازات عدد من المبدعين العراقيين، الذين لم تتح الفرصة للتعرف عليهم عن كثب· عبر هذه الإطلالة نكتشف كم يزخر العراق بالمواهب والإبداع· كما ينبني جسر، أو مجموعة جسور، جرى نسفها، أو على الأقل إضعافها، خلال العقود الماضية، خاصة وأن القطيعة السياسية امتدت لتشمل المجالات الأخرى، بما فيها المجال الثقافي، الأمر الذي جعل تفاعل الثقافة في أدنى المستويات، وفي أحيان كثيرة نتلقاه عن طريق الآخر·
إقدام يوسف العاني على نشر مواد هذا الكتاب خارج العراق، بعد أن نُشر متفرقاً في الصحافة العراقية، يؤكّد المعنى الذي أشرنا إليها، ويحرض على: ربط ما انقطع؛ والرغبة في التعرف والاكتشاف للإلمام بما يجري هنا وهناك؛ والتأكيد، أخيراً، أن الثقافة أكبر وأخطر، وأيضاً أهم، من كل الخلافات السياسية، مما يستدعي بذل جهود مضاعفة من أجل التواصل الثقافي، من خلال تبادل الفرق المسرحية، والأعمال الفنية، ورفع القيود على انتقال الكتاب العربي من قطر إلى آخر·
الرسالة الثانية التي يشير إليها اختيار بيروت مكاناً لنشر الكتاب: أن يشعرنا، دون رغبة الإساءة، إلى فداحة الخسارة التي تلخق بنا كل يوم دون أن نحس بذلك· فهذا الكم الهائل من الموت الذي يقع قريباً منا، والذي يقطف الأطفال وأبرز الوجوه المبدعة، دون أن نعرف، دون أن نقول كلمة، يجعلنا نحس بالعار، وبالفقد المضاعف!
أن يموت الوردي، مثلاً، أو الحسني؛ أن يموت سليم صبري أو عبدالحميد العلوجي، وغيرهم كثير، أن يموت هؤلاء بصمت، بشكل سري، يقول لنا بالفم الملآن إلى أن درك وصلنا، وماذا ينتظرنا أيضاً·
الوردي، مثلاً، يُعتبر أهم، أو من أهم، علماء الاجتماع العرب، ومع ذلك لم يفطن لموته أحد خارج العراق، ي الوقت الذي تنشغل الصحافة العربية، ومعها المحطات الفضائية، باسم الكلب الذي ضمه كلينتون لأسرة البيت الأبيض!
قطيعة كالتي نعيشها الآن، والتي تفرد أجنحتها على الوطن العربي، وبين أجزائه، تقول لنا، بكثير من الخجل في أي ظروف نعيش، وماذا ينتظرنا أيضاً، إذا ظلت الأمور هكذا!
يوسف العاني، من خلال هذه الرسالة، يريد أن يكسر جدار الصمت والعزلة، وأن يقول لنا: اليوم في العراق، لكن غداً في كل جزء من الأرض العربية، وصولاً إلى كل زاوية في العالم الثالث، إن لم نبادر إلى الكلام الثقافي فيما بيننا، واعتبار الثقافة جسر الخلاص وطريق المستقبل·

