أنت هنا

قراءة كتاب النورس

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
النورس

النورس

الداخل إلى مجموعة "النورس"، عليه أن يكون أنيقاً، كأناقتها، ومعطراً كعطرها الذي يمسك بحواس القراءة، يقودها عبر حقول مروية، وأشجار يانعة، وتلال وسفوح، ووجوه مغرفة في العزلة، بل متيمة بالعزلة..

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 2
عندئذٍ خاطبتْني أمي بصوت فيه دفؤها المعهود·
 
- لماذا لا تذهب يا علي؟ اذهب يا بني، فإخوتك الصغار يتضوّرون جوعاً، وليس لدي زيت لأعد لهم الطعام، ووالدك تأخر في العودة·
 
استمرّ رفضي برغم توسلها· جفّ ريقي، وبدأتُ أعاني من صعوبة في التنفس· أدركتْ أمي بأن قصص الغولة التي كانت تستخدمها لكي نمتثل لأوامرها لن تجدي في إقناعي هذه المرة، بل على العكس سوف تجعل قَدَميّ تغوصان في أرض الحجرة وستدفعني إلى الجمود في مكاني كتمثال من الشمع·
 
احتارتْ في إقناعي، وقبل أن يدبّ اليأس إليها ذهبتْ إلى المطبخ، وعادتْ بعد قليل بالموقد الفخاري، ثم ألقتْ بحفنة من البخور (من الجاوي والشّب) فوق الجمر المتوهج، وبدأت بتبخيري· أخذتْ سحابة من دخان البخور تتسلّق فضاء الحجرة، وتملأ أرجاءها الرطبة برائحة غريبة، بينما اخوتي ينظرون إلينا في بلاهة وقد اتسعت أحداق عيونهم البريئة وأضاءت بفضول غريب مثل قطط حذرة·
 
بعد انتهاء أمي من طقوس التبخير، أوقدتْ شمعتين في صينية الشموع الفضية، التفتتْ نحوي وقد أشرق وجهها الذي خطّت عليه متاعب السنين والمرض خطوطاً غائرةً، ثم قالت:
 
- هل تعرف يا علي؟ هل تدري يا بُني بأن نظرك غير مكشوف؟
 
قلت ببلاهة: ماذا يعني هذا يا أماه؟
 
أجابت: عندما وُلِدتَ، سميتكَ على اسم الإمام علي بن أبي طالب· إنه كان مؤمناً شجاعاً لا يخاف شيئاً غير الله· وإذاً فلأن اسمك علي، لن تتراءى لك الغولة، أو تتجرأ الأشباح على التربص بك، أو اعتراض سبيلك·
 
- أنت نظرك غير مكشوف··· أنت نظرك غير مكشوف·
 
ظلّت أمي تردِّد هذه الكلمات حتى ظهرت علامات الاقتناع على تقاسيم وجهي الطفولية، وبدأ الهدوء يغمر كل خلايا جسدي النحيل· التفتُ إلى اخوتي بثقة، وقد أحسستُ ببرودة الهواء تملأ رئتيّ· أخذتُ أتنفس بعمقٍ· لمعتْ عيناي· انبسطتْ ملامحي، وعادتْ إليّ قواي الخائرة· بدأتُ أشعر بأن جسدي أقوى مما كنت أظن· نظر إلي اخوتي بإعجابٍ لا يخلو من حسد بريء·
 
ناولتْني أمي النقود··· قبضتُ عليها بشدة··· ثم اندفعتُ نحو الباب المتهالك والذي اصطفق خلفي بقوة حين انطلاقي ككرة مطاطية في اتجاه دكّان القرية· كانت رائحة الأرض الطينية المبتلة تملأ رئتيّ، وأنا أقرأ آيات من الذكر الحكيم مع كل خطوة أخطوها· من بعيد كان عمود من الدخان الأبيض ينبعث من الأخشاب المحترقة بقرب شجرة التين ويتسلّق الفضاء، وقطرات من رذاذ مطر ناعم خفيف··· تُحدِثُ أصواتاً خافتةً عند ارتطامها بالأرض·

الصفحات