أنت هنا

قراءة كتاب مدن فاتنة وهواء طائش

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مدن فاتنة وهواء طائش

مدن فاتنة وهواء طائش

في كتاب "مدن فاتنة وهواء طائش"، أخذنا محمّد إلى بيته. قاد سيارته في الشارع المتعرّج بسرعة زائدة، أو هكذا خيّل لي، ما جعلني متوجساً طوال الوقت. (ستتكرر هذه السرعة في الأيام التالية، سيجدها محمد أمرا عاديا، سأجدها امرا مربكا. هذا الإيقاع السريع يربكني!

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 10
-7-
 
ما زلت أخرج للتمشي في شوارعها، أو على الأصح، لقضاء شأن من شؤوني هنا وهناك· أتمشى، وألاحظ ما يعتمل في قلب المدينة من تحولات، حيث تتكاثر فيها وفي البيرة، مواقع غير قليلة للثقافة وللفنون ولمحطات التلفزة والإذاعة، لا تجتمع في أية مدينة فلسطينية أخرى· تتجمع فيها وزارات ومكاتب للسلطة الوطنية، منظمات غير حكومية، مؤسسات للمجتمع المدني، موظفون وموظفات من بعض الدول الأجنبية، خصوصاً في المنظمات غير الحكومية وبعض المراكز الثقافية الأجنبية· ثمة أعداد كبيرة من العائدين إلى وطنهم الذين يقيمون الآن في رام الله والبيرة، بينهم نخبة من المثقفين والإعلاميين والمهنيين، الذين عاشوا في مختلف المنافي، وحملوا معهم خبرات وتجارب وأنماط معيشة حضرية، تجعلهم قادرين على إثراء تجربة المدينة في التحول إلى مدينة حقيقية، يتعزز فيها المجتمع المدني وتصان فيها الحريات العامة، ومن ضمنها الحريات الشخصية بالذات·
 
بين الحين والآخر، أمضي إلى مكتبة رام الله العامة لكي أستعير بعض الكتب، أجتاز الشارع الذي يوصلني إلى المكتبة· الشارع يحمل اسم صديقي نزيه قورة، الذي قضى في الغربة، بعد أن أبعدته سلطات الاحتلال من رام الله· أتذكر أحلامنا المشتركة حينما التقينا بعد هزيمة حزيران مباشرة· رحنا نعمل معاً في قيادة منظمة سرية للمعلمين، مهمتها مواصلة إضراب المدارس احتجاجاً على وجود الاحتلال وعلى عبثه بمناهجنا التدريسية· كان صديقي ينتمي إلى الأفكار نفسها التي أنتمي إليها، لكن له اجتهادات مختلفة عن اجتهاداتي، خصوصاً في ما يتعلق بحل القضية الفلسطينية· مع ذلك، بقينا نتحاور باستمرار حول قضايا سياسية وفكرية كثيرة· حينما أبعدتني سلطات الاحتلال بعد ذلك من القدس، التقينا في المنفى بعض الوقت، زرت بيته في دمشق، ونمت في البيت ليلة واحدة·
 
ذات يوم، قبل سنتين، التقيت ابنه· التقيته أمام المكتبة العامة التي تعمل فيها أمه، على رصيف الشارع الذي يحمل اسم أبيه· أخبرته بأنني أحد أصدقاء أبيه· تحدثت بإيجاز عن مدى اعتزازي بأبيه، وعن مقدار احترامي لذكراه· أصغى إليّ بأدب وانتباه، شكرني ثم مضى مسرعاً إلى قلب المدينة، مضيت إلى داخل المكتبة العامة، مصراً على أنني ما زلت أعيش زمني! قلت لنفسي: زمني لم ينقض بعد، ورام الله، على الرغم من التمنع والاستعصاء اللذين تبديهما نحوي في هذه الأيام، ما زالت، وستظل تشكل جزءاً مهماً من تجربتي في الحياة·
 
إنها مدينة الصبا والشباب، الأحلام الكبيرة والأمنيات·
 
2002

الصفحات