أنت هنا

قراءة كتاب مدن فاتنة وهواء طائش

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مدن فاتنة وهواء طائش

مدن فاتنة وهواء طائش

في كتاب "مدن فاتنة وهواء طائش"، أخذنا محمّد إلى بيته. قاد سيارته في الشارع المتعرّج بسرعة زائدة، أو هكذا خيّل لي، ما جعلني متوجساً طوال الوقت. (ستتكرر هذه السرعة في الأيام التالية، سيجدها محمد أمرا عاديا، سأجدها امرا مربكا. هذا الإيقاع السريع يربكني!

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 6
-4-
 
الآن بعد انقضاء ما يزيد على أربعين عاماً على تلك الانطلاقة الصغيرة في شوارع رام الله، أبدو شبه مقتنع بأنني لم أتمكن حتى هذه اللحظة من فض أسرار المدينة على الرغم من صغرها الملحوظ، فقد ترددت عليها بعد ذلك كثيراً من المرات، سكنت فيها، وما زلت أعمل فيها طوال السنوات السبع الماضية· أشعر أنني ما زلت أهفو إلى معرفتها على نحو أفضل· أحبها، تشتاق نفسي إليها باستمرار، أتأمل بيوتها القديمة بأسطحة القرميد، أتأمل البنايات ذات الطوابق العديدة التي أخذت تنتشر على أطراف شوارعها الرئيسة وفي بعض أحيائها الجديدة، أتأملها من نافذة مكتبي، أطيل التفكير فيها، أشعر أنني مازلت بحاجة إلى مزيد من الوقت لامتلاكها على نحو نهائي أكيد، أو يبدو أنني أحاول البحث عن ذلك السحر الغامض، سحر المدينة الوادعة الذي استقر في قلبي وأنا بعد فتى في السابعة عشرة، ولم يعد سهلاً عليّ امتلاك ذلك السحر من جديد، إلا عبر مقاومة عنيدة للزمن، تتولاها الذاكرة التي لا تحب أن تفقد أماكن سبق لنا أن أحببناها وتعلقنا بها·
 
أغادر مكتبي بين الحين والآخر، أذهب للتمشي في شوارعها المكتظة بأجيال جديدة من الشباب، الذين يترقبون مرور فتيات في مثل أعمارهم وهن يرتدين أزياء حديثة، يلقون بالكلام العذب على مسامعهن، ثم يرافقونهن -إن كانوا على موعد معهن- إلى محل لتناول البوظة أو شرب العصير، وقد لا يحظون بمرافقتهن إن لم يكونوا على موعد معهن· في هذه الحالة، فإنهن لا يلقين بالاً إلى كلامهم العذب المعسول· أقول لنفسي: للشباب منطقهم الذي يتأبى على روح المحافظة التي تتفشى في المدينة، يتأبى عليها بالعلن حيناً، وبالسر أحياناً أخرى·
 
ثمة وفرة من بنات القرى المحيطة بالمدينة، أو حتى النائية عنها، يتدفقن كل صباح عبر شوارع المدينة، بعد أن يغادرن سيارات الفورد والحافلات القادمة من هناك، يتجهن إلى أعمالهن في البنوك والشركات والمؤسسات التي أخذت تتكاثر في رام الله منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية· أراهنّ يرتدين أحدث ما تبيعه محلات النوفوتيه للطبقة الوسطى من سكان المدينة والأرياف، فأتذكر تلك السنوات الموغلة في البعد، حينما كنت مدرساً في قرية خربثا بني حارث، لم تكن تتوفر آنذاك مدرسة للبنات فيها، فاضطرت ثلاث بنات ممن أبدى أهاليهن رغبة ملحة في تعليمهن، إلى الالتحاق بمدرسة الذكور في القرية· ذات يوم زار المدرسة مسؤول في إدارة التعليم، وقع نظره على إحدى الفتيات، وهي في الصف السادس الابتدائي، لاحظ كيف أن نهديها آخذان في النمو تحت مريولها المدرسي· قال: هذه البنت يجب أن تعزل عن الأولاد، ثم تراجع عن رأيه فيما بعد لدوافع إنسانية، كما يبدو·
 
سيارات الفورد والحافلات القادمة من القرى تقذف بالفتيات وبالشباب إلى قلب المدينة للعمل· تذكرت أبي، قلت من دون مباهاة: كان له دوره في تمكين المدينة من توصيل قيمها العصرية إلى الريف· فالشوارع التي شقها بلا كلل، وهو منهمك في الوقت نفسه في متابعة أخبار المنطقة التي لم تهنأ، إلا ما ندر، بلحظة فرح منذ ذلك الزمان، لعبت دورها في رفع العزلة عن الريف، غير أنها في الوقت نفسه، في زمن لاحق، لم تعصم المدينة من الخضوع لقيم الريف التي وجدت فرصتها السانحة حين انكسرت الآمال، وتغيرت الأحوال من سيء إلى أسوأ والعياذ بالله· 
 
أذهب وحدي للتمشي في شوارع المدينة، وأشعر أن ثمة واقعاً جديداً يتشكل فيها، لكنه غير واضح، ما زال ملتبس السمات بحيث تستطيع العثور على الشيء ونقيضه في الوقت نفسه·

الصفحات