أنت هنا

قراءة كتاب حبيبتي تنام على سرير من ذهب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حبيبتي تنام على سرير من ذهب

حبيبتي تنام على سرير من ذهب

كتاب " حبيبتي تنام على سرير من ذهب " ، تأليف محمد عيتاني ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

حدقت جيداً إلى اسم مالكة هذا السرير الفضي ـ وعلى فكرة ـ يجب أن يقول لنا القصصي، ساعة يستطيع، لماذا سماه «السرير الذهبي»، مع أن معدن هذا السرير التاريخي واضح تماماً في النبأ، كما نشرته جريدة الأستاذ. تأملت اسم صاحبة السرير، دارت عيناي حول حروفه، بتساؤل في البدء، ثم في حيرة، ثم في ما يشبه اليقين. إنها هي بذاتها، نهاد م. ياه ما أقدم وأروع الذكريات! حبي الأول، وربما الوحيد، بلا كذب!! تأملت الاسم، ودارت عيناي بلهفة تنبع من أعماق الروح، ووجد ملتهب من جديد، ورغم بعد السنين، فقد استيقظ ماضي حبي لهذه السيدة الرائعة الحسن ـ ملكة جمال لبنان في أحد أعوام الخمسينيات ـ استيقظ فجأة وبشكل صارخ وراح يجرفني مثل أمواج نهر عارم. وسألني زميلي، في إدارة الجريدة، في إحدى غرف المحررين المضاءة بشمس الضحى الوهاجة، كنت أنا في الزاوية الجنوبية وهو في الزاوية الشمالية من القاعة الغربية الأنيقة الواسعة في دار الجريدة ـ بل جرائد ومجلات وصحف ـ الأستاذ:

- ماذا تقرأ يا باسم؟ أرى أذنيك تحمران مثل قبعات الفرقة «16».

قلت له، وأنا أشعل سيجارة: أقرأ نبأً طريفاً، ولزمت الصمت، ناظراً إلى الجريدة، ليتركني وشأني. لكن زميلي البدين، ذا الشاربين الدوغلاس، والقميص الأبيض الناصع عاد يقول: لن أسالك أية جريدة. أنا أعرف أنك خبيث ولن تقول لي. وسأقرأ تعليقات قصتك المستوحاة من هذا النبأ، في جريدة «الضياء» هذا الأسبوع، أو الأسبوع المقبل. يعطيك العافية.

لعل حبي الكبير لنهاد م. سيدة المجتمع الراقي هو الذي جعلني أقف عند اسمها وأحدق إليه ملياً.إنه هو. وهي هي، الغاليري مكانه معروف. كنت أذهب إلى هناك قبل انقطاع علاقاتنا نهائياً، بحجة رؤية المعارض المتنوعة التي تقام فيه، ذريعة، مجرد ذريعة. وأبحث عن نهاد. تتجاهلني أكثر الأحيان، تبتسم ابتسامة خفيفة أحياناً ثانية. المصورون، النقاد يحيطون بالفنان أو الفنانة، مجاملة، ثم شيئاً فشيئاً، يقتربون على مهل ولكن بخطى ثابتة نحو السيدة نهاد، صاحبة الغاليري. هل كانت تعرف بأنني كنت أنا صاحب المقالات الجيدة، في النقد الفني ـ ومادح نفسه يقرئك السلام ـ مقالات التقريظ في الجريدة الكبرى وفي مجلات الأستاذ، وأظنها كانت تعرف. أحد زملائي الصحافيين قال لي مرة، وكان قوله شيئاً نموذجياً يتكرر تقريباً وإن بأشكال مختلفة، مراراً كل عدة أسابيع. قال زميلي الصحافي: دعتنا السيدة نهاد إلى قصرها، وأقامت لنا حفلة عشاء. وأكملنا السهرة في الكازينو وسط الرقص الأوروبي والشرقي المذهلين والأضواء الساطعة والصدور النسائية المكشوفة والطيوب، وزنابق الليل العميق، وسحر الموسيقى. وتحدثت نهاد مرة واحدة عنك. ارتعشت شفتاها، الظاهر أن وسامتك، مضافة إلى موهبتك الصحافية، مضافة إلى شيء لا أعرفه قد جعلها تتحدث عن شخص غائب وكأنه معها، يملأ وجدانها بحضوره.

وأنا عصام ناجي، المحرر في إحدى جرائد الأستاذ، أنا وحدي ربما أعرف أن زميلي أهمل في جملة عطفاته وإضافاته كلمة وهي «إلى الماضي»، أقال «شيء لا أعرفه»، وهل يمكن أن يعرف الإنسان، ولو كان صحافياً، كل شيء. في المعارض التي كانت تقيمها نهاد م. الشقراء الندية الرقيقة، الحلوة الزرقاء العينين، ذات الضفيرتين العسليتين، والعينين بزرقة أعمق مكان في قاع البحر، أو أعلى مكان في السماء ـ حبيبتي ـ بفستانها الأبيض الديكولتيه، وهدوئها العجيب، تنظر بفتور إلى زائري أروقة الغاليري الواسع الأنيق، المضاء بمصابيح نيون في أعلى الجدران، لكنه فتور ملهب، وإذا صدف أن استبقها نظرها نحوي فإنها كانت دوماً تكبح ضياء عينيها عني وتتجاهلني. في البدء، قبل أشهر، وربما سنوات، حاولت التقدم نحوها، لأقول لها بمجرد مصافحتي الحارة لها إن الماضي انتهى، وإن الحاضر هو مستقبل العمل بيننا. أي معارض الغاليري عندها، ومقالاتي في الصحف، وإنني سأكتب عن معارضها، كما أرى، وبكل إخلاص، مع المحبة، ولكن دون انتظار أي لقاء. ومرة واحدة، ربما مرتين، بين الناس، والزوار. اللحى الطويلة على وجوه الشباب الحمر البشرة، وسيقان الفتيات الملساء الخمرية اللون، والحقائق شبه النهائية لأفخاذهن، أفخاذهن تظهر من الميني جيب الذي يمكن تسميته «ميكرو» بسهولة بل زيرو جيب إلخ. أي بدون فساتين بالمرة، عاشت الحرية! مرة واحدة أو مرتين ابتسمت، حبيبتي صاحبة السرير الفضي، سرير نابوليون الثالث، الذي يتنافس في شرائه اليوم، كما قرأت وقرأتم، أوناسيس الملياردير اليوناني الذائع الصيت، خصوصاً عندما أصبح ينام مع جاكي كندي ـ أجل، زوجة جون كندي، الرئيس الأميركي المقتول ـ والمليونير الأميركي، إلى آخر المتنافسين. مرة واحدة، وكانت وراء طاولتها، في «بريزيديوم» معرض لوحات الرسام المودرن ذي اللحية الطويلة جداً، وكان من الطراز التاشيست، براعة في توزيع الحجوم وعرض محتويات علب الألوان بأشكال أشبه بغيوم تشرين الثاني، مع ذكاء في الأسلبة، مرة واحدة وربما مرتين، منذ أشهر، ابتسمت حسنائي المعبودة نهاد م. بل مرتين ابتسمت لكنني احتفظت بعزة نفسي. كان كل ما في أعماقي يغلي وينهار ويذوب وتغمره ثلوج طيبة ومريحة ولذيذة: تقدم يا عصام الحياة تنازل أحياناً. شخص آخر أو غير آخر ما هم. وهل يستعيد الرجل لغزاً. لكنني تجاهلت ابتسامتها، مرتين، ثلاث مرات، بل أربع مرات. الآن أذكر كل شيء جيداً. لكنني في كل مرة كانت تتسلل بوجهها الفينوسي الفتان،وعينيها الزرقاوين المجتاحتين، وحاجبيها الرقيقين الآسرين، كانت تتسلل من بين الزوار وكتل التماثيل وقطع الحجارة المنحوتة كيفما اتفق رأسي، على مربع، على مدور، على ظلف ماعز، على مجموعة من الكتل النحاسية تشكل رمزاً هادئاً للديمومة وسط مجيء وذهاب عشرات الفتيات، شبه العاريات، الرائعات الجمال، المنكوشات الشعر. مراراً كان نظر نهاد يتسلل من بين كتل التماثيل والنقاد والوزراء والنشالين والمشترين والمصورين والإذاعيين وطالبي الأوتوغراف والحمالين.

الصفحات