كتاب " حديث الغيم " ، تأليف بشاير الشيباني ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب حديث الغيم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

حديث الغيم
وحين تغيب، يموسق المساء حزني، تخلع السماء ثوبها الزاهي، تفك أزرارها، تتعرى لليل للبرد وللريح، تتساقط الأحلام العذارى نجمة تلو نجمة، فتشتعل الأرض، ويضج الكون بسيمفونية الوداع.
- لا تغيب!
- أنا غايب فيج.
وتأخذني يداك، تقذفانني إلى الأعلى إلى أبعد ما يكون، ولا أخشى الوقوع، ليس ثقة بجناحيّ كما ظننت، إنما بقلبك سمائي.
للحديث معك رهبة عارمة، وكأن الكلمات تقف احتراماً كلما تحدثت إليك، على أطرافها تسير، تدور في حلقات لا متناهية، بخفة راقصة – باليه – وبهدوء تام تعدل السطور جلستها، تختبئ النقاط خلف الحروف، وأفقد قدرتي على التعبير، فأصمت.
- «غردي بالحب ،يا لحظة [3]
كيف لي أن أحدثك وقد أخجلت لغتي يا رجل!
- من أين أبدأ بك قل لي؟
- من منعطف الذاكرة.
حسناً..
سأبدأ من صباح يوم الأحد، في السادسة تحديداً، حين أتاني صوتك على غير موعد، أنعش في داخلي الفرح.
انتظاري لك في بهو فندق – أنتركونتيننتال – كوب النسكافيه الساخن على الطاولة الرخام يغري أصابعي بالدفء، في حين هي راحت تغازل مفاتيح البيانو الثلجية، تمارس شوقها المعتاد، تعزف بتوتر فاضح، لترتعش الأوتار وتتأوه النغمات، وتأتيني من بعيد، أراقب خطواتك الواثقة، أجنّد دقات قلبي لاستقبال حضورك الأنيق، موكب من فرح، وآخر يلتف حولك، وأنت بابتسامة فارهة تنتزعني من نشوة إلى أخرى.
شوارع «بارك لين» شاهدة على كل ما حدث، حديثنا في إحدى زوايا «ماي فير» الهادئة على طاولة خشبية في مطعم تفوح منه رائحة «المارجاريتا» كان جوع أحدنا للآخر أكثر، كنا نتحدث بعطش ويلتهم كلانا الآخر بمزاج إيطالي فريد، تسكعنا في الأزقة الباردة، ولا أكاد أدفن وجهي في ديباج معطفك الشتوي حتى يغمرني عطرك بالدفء.. وسيماً كان الكون في ذلك الصباح.
- ولما رجعنا؟
كنا نحلق في سماء مشرعة للسهر، على قبلة وقمر، نلتحف بسماء سبتمبر، نلتهب بأنفاس شجرة السدر، يجول بنا الليل على حافة الجنون، والكون يغط في سباته العميق.
- لا رجعي بعد أكثر.. من البداية.
في مدينة يسكنها الجنون، كان كلانا يبحث عن الآخر، قطار الوقت يمشي سريعاً، محطات كثيرة عبرناها، تبهرنا الأماكن برهة، ونطوف فيها على عجل.
وكنت أنت محطتي الأخيرة، توقف بي الزمن فجأة، صمتت أكثر الأشياء صخباً من حولي، موسيقى (الروك أند رول) تحولت إلى موسيقى (فالس).
تأتيني، تمسك بيدي، تأخذني إلى البست المفروش ببساط أحمر، تنطفئ الأضواء، تحيط خصري بذراعيك، تراقصني.. يطير شعري ويحط على كتفيك، تخترقني نظراتك كشظية، تدخل قلبي، تستقر هناك، توجع نبضي.. وأموت بك!
- كل هذا صار بأول نظرة؟
- وأكثر.
لي معك في كل زاوية من زوايا ذاكرتي، طاولة وكرسيان، مفارش ملونة، مقاهٍ تطل على الليل، هدايا وشموع تفوح برائحة التوباكو والصندل، بقايا برد ينتزعه دفء لمساتك، سفر وأمتعة وقطارات، أغانٍ وعزف على أوتار الشوق، بحر وسماء ومركب يشق الموج، يبحر بنا في عرض الخليج.
أداعب النسيم، وأطلق العنان لجنون شعري، وشعوري وأسافر مع الريح، معك إلى كل مكان.
أتمايل بفستان «أوف وايت» مطرز بالدانتيل، وطرحة بطول القاعة الخشبية المرتمية على شاطئ «البدع»و«انت غير الناس عندي »[4].
أرقص لك فيختفي الحضور، ولا أرى سوى عينيك، أقتحمهما بصمت، أجول في حقول القمح، بين شجر التين والزيتون، أتنفس العشب، تحرسني ملائكة قلبك، على قوس قزح أصعد إلى السماء، أصافح الغيم وأتدثر بالمطر.
في كل ليلة حبيبي، يهدهدني المساء البنفسجي على ذراعيك، أتنفسك بعمق، وأحلم بالجنة.

