كتاب " الفكر السياسي عند الإباضية والزيدية " ، تأليف د. سالم بن هلال الخروصي ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي عام 2006 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب الفكر السياسي عند الإباضية والزيدية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الفكر السياسي عند الإباضية والزيدية
الباب الأول
أثر الفكر السياسي في نشأة الإباضية والزيدية
الفصل الأول
الفكر السياسي النشأة والتطور
المبحث الأول : حاجة المجتمع الإنساني إلى السياسة التشريعية:
تعد السياسة قرينة المجتمع منذ نشأته الأولى إذ من دواعي وجود الإنسان على الأرض تحقيق مبدأ الإستخلاف وتمكينه من ممارسة دوره في الحياة التي خلق من أجلها إعماراً بشريا بالتناسل والتكاثر وتعميراً ماديا بالبناء للحضارة والتشييد لجسورها المتواصلة عبر الأجيال المتتابعة وهذا ما قرره الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عند مخاطبته لملائكته: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَـاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَـالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ )(1)، ولفظ "خليفة" في الآية الكريمة يعني من يخلف غيره(2)، باعتبار أن الأرض كانت مسكنا لأحياء قبل الإنسان قيل الملائكة وقيل غيرهم ولذلك يقول الحق سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ) (3)، أو أن المعنى خليفة عني(4) - أي عن الله تَعَالَى - وأيا كان المعنى إلا أن المراد أن هذه الخلافة المتحققة للإنسان مما دلت عليه الآية الكريمة تشير بوضوح إلى التلازم الكبير بين المجتمع والسياسة إذ الخلافة لا تتحقق إلا بتنظيم في إطار الثالوث "الشعب - الأرض - السلطة" فلا يستطيع الفرد أن يعيش بمنأي عن الجماعة فهو مدني بطبعه كما أن حياة الجماعة لا تتحقق إلا بالنظام وهو جوهر الاستخلاف المقصود في الآية الكريمة السابقة فهي دورة تكاملية التكامل فيها "بين عالم الغيب وعالم الشهادة وبين عالم الجماد وعالم الحياة وبين الطبيعة والإنسان وبين شأن الدنيا وشأن الآخرة وبين الالتزام الأخلاقي والإلتزام القانوني الحقوقي والالتزام السياسي لدى الإنسان المسلم"(5) ، ولذلك عبر الشاعر قديما عن هذا المفهوم بفطرته البشرية قائلاً:
لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم
ولا ســراة إذا جهالهـم ســـادوا
تبقى الأمور بأهل الرأي ما صلحت
فإن تولت فبالأشــرار تنقـــاد(6)
إن التكامل التنظيمي بين المجتمع والسياسة لا يتحقق إلا بوجود القانون المشرع والمسير للنظام في مختلف جوانبه الإجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها إذ "إن الدولة باعتبارها صورة من صور المجتمع السياسي كما يشترط لقيامها توافر العناصر المادية الثلاثة - الشعب، الأرض، السلطة - فإنه يشترط لكي يعد مجتمعا سياسيا ما دولة إن يتوافر كذلك عنصر معنوي هو أن تكون السيادة في هذا المجتمع للقانون"(7)، وقانون بهذه الأهمية لا بد أن يكون دقيقا بحيث لا يختل توازن المجتمع حال تطبيقه ولا تتعارض ظروف الأمة مع فقراته وبنوده أو نصوصه وأحكامه في كل عصر ومصر وتاريخ البشرية يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الوحي الإلهي هو القانون الوحيد الذي يستطيع تحقيق أهداف البشرية عبر رسالات السماء المتلاحقة والمتتابعة فأول كائن بشري عرفه التاريخ وأكدته الحقائق هو آدم - عليه السلام - وهو في ذات الوقت نبي مرسل إلى بنيه يعلمهم ما علمه الله من الأسماء والأحكام ويرسم لهم معالم الهداية لمستقبل الإنسانية حينها بشريعة محدودة بزمان نسختها شرائع متلاحقة لأمم مختلفة وأجيال متعاقبة جاء بها الأنبياء والرسل من بعده قال تَعَالَى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً، وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً، رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (8)، حتى جاءت الرسالة الخاتمة بنبي خاتم - محمد ( - وشريعة خاتمه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً)(9)، شريعة جمعت شرائع الأمم وتجاربها بينة في فروعها ثابتة في أصولها عامة شاملة في مميزاتها.
ولا يفوتني وأنا أتحدث عن هذا الجانب التاريخي أن أنبه إلى حقيقة مهمة وهي أن شريعة الله تَعَالَى إلى الإنسانية لا تعني جمود الفكر السياسي عند إطار معين بل هي مرنة يستطيع عقلاء البشر أن يسJتلهموا ويستنبطوا منها ما يصلح لمجتمعهم وظروف حياتهم إذ رفع التكليف منمقرراتالتيسير في الدين (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا)(10) ، وهذه الميزة في شريعة النبي محمد ( تنجلي واضحة بينة.
إن المهم في هذه النبذة التاريخية القصيرة عن التشريع الإلهي ومميزاته أن نؤكد أن التشريع الإلهي هو واسطة الميزان بين كفتي المجتمع والسياسة إذ لا ينتظـم مجتمع بدون سـياسة ولا تصـلح سياسة بدون تشـريع يحكمها ولا يختلف على ذلك أحد من العقلاء في إطار المحافظة على [المال والنفس والعرض والدين والعقل].

