قراءة كتاب ريكور والهيرمينوطيقا

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
ريكور والهيرمينوطيقا

ريكور والهيرمينوطيقا

كتاب " ريكور والهيرمينوطيقا " ، تأليف د. أحمد عبد الحليم عطية ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 5

رابعاً: هوسرل والظاهريات المثالية

تشير إديث كريزويل إلى أن اهتمام ريكور بالفلسفة قد بدأ عندما تعرف إلى فينومينولوجيا هوسرل، حيث كان سجيناً في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، فعثر على الفلسفة التي زودته بالوسيلة التي تكاملت بها اهتماماته في النهاية وجعل من هوسرل أساس فكره الخاص منذ أن قام بترجمة الجزء الأول من كتاب «أفكار» إلى اللغة الفرنسية.

والفينومينولوجيا عند ريكور لا تبدأ مما هو أكثر صمتاً في عمل الوعي بل من العلامات (Signs) التي تتوسط علاقة الوعي بالأشياء، تلك العلامات التي تتحدد في ثقافة منطوقة، فالفعل الأول للوعي هو المعنى... والقصدية (Intentionality) هي فعل تحديد هذا المعنىبالعلامة (25). ويتضح أن ريكور في هذه الفترة المبكرة ربط بين قصدية الوعي ورمزية الكتاب المقدس ليصل بهذا الربط إلى أعمق معنى للأشياء على نحو ما هي عليه بالفعل، والحقيقة أنه ـ كما أشرنا ـ أفاد بوجه خاص من فكرة هايدغر عن الفهم. تقول كريزويل: «إن استخدام هايدغر لهذه الفكرة في تأويله العلماني للمفاهيم الدينية كان بمثابة المثال الذي أقام عليه ريكور مشروعه الخاص» (26).

يفصل ريكور علاقة هيرمينوطيقاه بفينومينولوجيا هوسرل في دراسته «ظاهريات وهيرمينوطيقا». ويناقش مسألتين: الأولى بيان أن ما هدمته الهيرمينوطيقا ليس الظاهريات بل التأويل المثالي لها عند هوسرل نفسه، والمسألة الثانية التشديد على أن وراء التضاد بين الهيرمينوطيقا والظاهريات هنا تبادل بينهما، فالثانية تقوم على أساس الأولى وتظل الأولى افتراضاً للثانية متعذراً تجاوزه، كما أن الظاهريات لا يمكن أن تؤسس نفسها دون افتراض هيرمينوطيقي.

يتناول أولاً النقد الهيرمينوطيقي للمثالية الهوسرلية اعتماداً على ما جـاء في خاتمة كتاب «الأفكار» التي تعد نموذجاً لمثالية هوسرل، ويقابل ذلك بأطروحات الهيرمينوطيقا للوصول إلى علاقة جدلية بينهما.

ويوضح أولاً أن هدف العلمية الذي اعتبرته المثالية الهوسرلية تبريراً أخيراً يبلغ حده الأساسي في الشرط الأنطولوجي للفهم (27).

ويرى أن تبعية التأويل للفهم، تشرح أن التبيّن بدوره يتقدم دوماً على التفكير وأنه سابق لكل تأسيس موضوع من طرف ذات أعلى (28).

إن نمو كل فهم في التأويل مع مشروع التأسيس الهوسرلي، في كون كل تأويل يضع المفسر في الوسط وليس في البداية أو النهاية أبداً.

أن يكون مكان التأسيس الأخير هو الذاتية، استعلاء مشكوك فيه عندئذ يظهر الكوجيتو بدوره خاضعاً للنقد الجذري الذي تمارسه الظاهريات (29).

ومقابل القول بأسبقية الذاتية يعتبر نظرية النص بمثابة محور هيرمينوطيقي وذلك في الإطار الذي يمسي فيه نص ما مستقلاً عن قصدية مؤلفه الذاتية، والسؤال الجوهري لا يكمن في العثور وراء النص عن القصدية الضائعة، بل في أن نبسط أمام النص العالم الذي يفتحه ويكتشفه.

إن الظاهريات التي تبحث عن اكتشاف طابع الكونية القصدي لم تتبع نصيحة اكتشافها الخاص. إن نص الوعي يكمن خارجه ومن هنا فإن الطريقة الجذرية التي ينطلق منها ـ هي ـ تعتبر محور تأويل سؤال الذاتية إلى سؤال العالم. وذلك بتعليق سؤال نية المؤلف إلى سؤال موضوع النص غير المحدود (30).

بمعارضتها للأطروحة المثالية لمسؤولية الذات المتأملة الأخيرة تدعو الهيرمينوطيقا إلى أن تكون الذاتية لا أول بل آخر مقولة من مقولات نظرية الفهم (31).

لا يمثل نقد هيرمينوطيقا المثالية الهوسرلية سوى الوجه السلبي لبحث إمكانية الظاهريات التأويلية. إن ما يقصده بالطبع ليس جعل الظاهريات تأويل، بل بيان أنه على الرغم من نقد المثالية الهوسرلية تظل الظاهريات هي افتراض الهيرمينوطيقا المتعذر تجاوزه من جهة، وأنه ليس بوسعها أن تطبق برنامجها المتعلق بالتشكل دون أن تشكل نفسها في هيئة تأويل ما لحياة الأنا (32).

إن السؤال الأساسي في الظاهريات هو سؤال الأنطولوجيا عند هايدغر في «الوجود والزمان» هو سؤال معنى الكينونة. إنه ليس سؤالاً هيرمينوطيقياً إلا في الحد الذي يكون فيه المعنى مستنيراً. إن الاختبار لصالح المعنى إذاً، هو الافتراض المسبق بالنسبة لكل هيرمينوطيقا.

ويتناول ثانية: الافتراض التأويلي المسبق للظاهريات ويعني به حاجة الظاهريات لإدراك مناهجها كتبيين (Auslegung) تفسير شرح تأويل. وللبرهنة على ذلك يعود إلى نصوص المرحلة المنطقية والمرحلة المثالية. خاصة نظرية المعنى في «أبحاث منطقية» و «التأملات الديكارتية» .

ويرى ريكور أن «الأبحاث المنطقية» لا تستطيع أن تطور بدايات التأويل في الظاهريات بل نجد ذلك في التأملات حيث لا تهدف الظاهريات إلى تقديم المعنى المثالي للتعابير المركبة جيداً، بل معنى التجربة في مجموعها (33).

إن أهمية هايدغر عند ريكور تكمل قصدية هوسرل بالنسبة لتطور الهيرمينوطيقا الظاهرياتية حيث يظل فكره شاهداً على أنه لم يتخل قط عما قصد إليه هوسرل وهايدغر (34). ويشير كيفن فانهوزر إلى أهمية فلسفة هايدغر وكانط كمصادر لنظرية ريكور في «الزمان والسرد» ، حيث يناقش مقاربة ريكور لمشكلة الخيال الإبداعي عند كانط وتبنيه فكرة هايدغر عن زمانية الوجود الإنساني؛ فنظرية ريكور في السرد هي محاولة للتفكير في هاتين المشكلتين معاً: الخيال والزمان.

لن نتوقف طويلاً أمام أثر كانط وتوظيفه الأفكار الأولية البسيطة عن الزمان والخيال الإبداعي التي تظهر في «نقد العقل النظري» في فكرة (Schemastim) ويمكن تأويل نظرية السرد عند ريكور بوصفها محاولة لإعطاء مادة لغوية وأدبية لفكرة كانط عن الرسومالتخطيطية (35)، إلا أن ريكور يعيب على كانط مسألة أساسية في «نقد ملكة الحكم» هي أنه يهمل الأبعاد الاجتماعية والتاريخية للخيال الإبداعي (36).

الصفحات