هذا الكتاب: مثل هذه الإرهاصات وغيرها، دفعتني للغوص بعمق في التاريخ، علّي أجد لها إجابات، أو مؤشرات قد نعتبر منها.
أنت هنا
قراءة كتاب لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الثاني
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الثاني
«وقد لعبت تركيا دوراً خطيراً، إذ ضربت الحركة الاستقلالية في جبل عامل، عن طريق ضرب زعامته التقليدية، عبر أكثر من قرن، والتي كانت تتقلب بين آل علي الصغير (الأسعد)، وآل شكر، وآل سودون، ومشطاح، وآل بشارة، هذه العائلات الاقطاعية التي كانت تقوم في حكمها على التصفيات. وفي الرواية التي يذكرها علي الزين في كتابه «مع التاريخ العاملي» قصة علي الصغير مع آل شكر ويناقشها بشكل علمي صحيح، يبرز لنا مقدار ما للتطاحن الاقطاعي على السلطة، من تأثير سلبي على الجبل العاملي، وبعد أن ضربت هذه العائلات الاقطاعية، عمد الأتراك العثمانيون إلى الزعماء ذوي الاقطاعات، من رؤساء العشائر، فأقصوهم عن الحكم والسيطرة على الشعب، ومنحوا صلاحيات واسعة للوجهاء، وزعماء الأسر من الدرجة الثانية.. وأغروا كل فئة بالأخرى ليتسنى لهم حكم البلاد»((21)).
أما في مصر، فرغم سيطرة العثمانيين على بلاد الشام، إلا أن دخولهم إلى «القاهرة لم يعن نهاية الحرب، فقد استمرت المعارك في الشوارع لعدة أيام، ما اضطر السلطان سليم لمنح العفو للمماليك سواء كانوا في القاهرة أم خارجها ومنهم بطبيعة الحال جان بردي الغزالي، الذي أكرمه سليم بحُسن الاستقبال، لما أبداه من البسالة في مقاتلة العثمانيين في الريدانية»((22)). ويبدو أن سليماً أراد بمنحه العفو عن مقاتلي المماليك بصفة عامة وجان بردي الغزالي بصفة خاصة، التفرغ فيما بعد للقضاء على آخر مقاومة لطومان باي خارج القاهرة الذي تسلح بالقبائل البدوية.
بعد معركة الريدانية، دخل الغزالي في طاعة سليم الأول، فأرسله على رأس حملة عسكرية إلى دلتا مصر للقضاء على تمردها سنة 1517 فقام بعملية تأديب دموية، بعد ثورة القبائل البدوية التي تعاطفت مع طومان باي الذي لجأ إلى حسن بن مرعي شيخ بدو البحيرة، وأخذ منه عهداً بعدم تسليمه للسلطات العثمانية، لكن الشيخ خشي انتقام العثمانيين فسلمهم إياه حيث شنق على باب زويلة بالقاهرة، بناءً على إلحاح خاير بك والغزالي الخائفين من تحسن علاقته بالسلطان سليم. وبعد استتباب أمور مصر لصالح العثمانيين، عيّن خاير بك المملوكي نائباً للسلطان العثماني في مصر. أما الغزالي فقد منح حكم ولايات صفد والقدس وغزة والكرك ونابلس.
أما في بلاد الشام، فقد اشتعلت الثورات بسبب إجراءات السلطان سليم الجديدة «كإبطال العملة القديمة وإصدار عملة جديدة وتشديد الإجراءات لضمان الأمن. وأعقب العثمانيون تلك الإجراءات بإجراء آخر شقّ على سكان دمشق قبوله وهو تخفيض سعر العملة العثمانية الجديدة بمقدار النصف، ما أدى إلى تضرر السكان. كما اتخذوا إجراءات أمن مشددة لردع الزُعّر الذين نشطوا في دمشق في أعقاب الأنباء المتضاربة عن مصير العثمانيين في مصر. ويبدو أن تلك الاضطرابات قد أقنعت السلطان سليم عند دخوله دمشق بضرورة تعيين والٍ جديد عليها، يكون بإمكانه إخمادها، ووجد ضالته المنشودة في شخص جان بردي الغزالي. وشرع الاثنان معاً في القضاء على المناوئين للحكم العثماني في الشام، فتوجها في 1518م، إلى الأمير ناصر الدين ابن الحنش للقبض عليه، ولكنهما فشلا في مهمتهما وعادا إلى دمشق وأصدر السلطان سليم قراراً بعزل ابن الحنش حاكم البقاع اللبناني وحماة وصيدا وتولية محمد أغا بن قرقماس الجركسي مكانه. وقد شارك آل معن في تمرد ابن الحنش في البقاع الغربي، العامل على استعادة سلطة المماليك((23)). ولكن الغزالي عاد و«قضى على تمرد ناصر الدين ابن الحنش وحليفه ابن الحرفوش - الذي لم تذكر له المصادر التاريخية اسماً - قرب بعلبك في 26 ربيع الأول 924هـ / 7 نيسان (إبريل) 1518م، وقطع رأسيهما، وأرسل بهما إلى السلطان في حلب((24)) ونهبت قراهم وسبيت نساؤهم والأطفال»((25))!
ولأن البحتريون في جبل لبنان ظلوا على ولائهم للماليك في مرج دابق، فقد عاقبهم جان بردي الغزالي (الذي كان حليفهم في موالاة المماليك) بسجنهم في قلعة حلب، لتبدأ مرحلة المعنيين في لبنان بفخر الدين الأول.
وبطش الغزالي أيضاً ببعض أمراء نابلس وغيرها منهم قراجا بن طراباي الحارثي، وأخضعهم للسلطة العثمانية. وشن عدة حملات ضد القبائل البدوية في حوران وعجلون، بحجة التعرض لقافلة الحج الشامي عند طريق غزة، وقتل الكثير منهم، وغنم أموالهم. وبذلك امتدت ولاية الغزالي من معرّة النعمان إلى العريش بمصر. ويُحسب للغزالي أيضاً، تمكنه من هزيمة القراصنة الإفرنج الذين نزلوا ساحل بيروت عام 1520م، ومكثوا فيها ثلاثة أيام، حيث استولى منهم على عدة مغانم وأسر ثلاثمائة من رجالهم إضافة إلى ثلاث سفن كبيرة. ويبدو أن هؤلاء الإفرنج هم فرسان القديس يوحنا الأورشليمي، الذين كانوا وقتذاك يستقرون في جزيرة رودس بالبحر المتوسط قبل أن يستولي عليها السلطان سليمان القانوني فيما بعد ويطردهم إلى جزيرة مالطة.
لكن وفاة السلطان سليم سنة 1520م، أدت إلى استيقاظ حلم الغزالي بالإستقلال بالشام، فتمرد على السلطان الجديد سليمان القانوني، مستغلاً الخلاف الناشب بين العثمانيين والصفويين، «فشرع بمحاصرة قلعة دمشق التي كانت تحت سيطرة الإنكشارية واحتلها وارتكب مذبحة مروعة بحق الجنود العثمانيين. ومنع خطباء المساجد من ذكر اسم السلطان سليمان على المنابر، وأمر بالدعاء له شخصياً في خطبة الجمعة، ونقش اسمه على النقود المصكوكة في دمشق. واتخذ لنفسه لقباً مملوكياً هو «الملك الأشرف»... وفي محاولة من الغزالي لجمع المؤيدين حوله، أعاد آل الحنش إلى حكم البقاع وولى أحمد ابن الحنش مكان الأمير سنان باشا. كما تمكن من الاستيلاء على طرابلس وحمص وحماة.. ولم يبق في الشام من الحصون القوية أمام جان بردي الغزالي سوى قلعة حلب، فجهز حملة كبيرة من الدروز وبدو جبل نابلس ومن الأكراد وبعض القبائل الأخرى. كما أن فرسان القديس يوحنا في جزيرة رودس أرسلوا له بعض قطع المدفعية لمساندته، وحشد الغزالي قرابة 23 ألف مقاتل لتلك الحملة.. إلا أنه فشل في الاستيلاء على القلعة سنة 1520، رغم إحرازه نصراً على والي حلب قراجا باشا العثماني الأصل. وبعد حصار استمر لمدة اثني عشر يوماً، انسحب الغزالي قافلاً إلى دمشق. وفي السنة التالية 1521، كان على جان بردي الغزالي أن يواجه قدره، فقد أرسل السلطان سليمان حملة ضخمة لوضع حد لتمرد نائبه على دمشق، و«نشبت معركة عند قرية الدوير شرقي قرية برزة بالقرب من دمشق، انتهت بهزيمة قوات الغزالي الذي تنّكر فيما بعد في زي درويش وحاول الهرب، لكنه وقع في الأسر وأعُدم في 6 شباط (فبراير) من العام نفسه، وأرسل رأسه إلى استانبول، واحتل العثمانيون دمشق. وكانت هذه آخر ثورة قام بها المماليك في بلاد الشام... وقد نتج عن فشل حركة الغزالي الانفصالية تلك عدة نتائج أهمها: ألغى العثمانيون الحكم الذاتي في الشام، وتم تقسيمها إلى ثلاث ولايات هي: دمشق وحلب وطرابلس، ووضعت منذ ذلك الحين تحت إدارة الولاة العثمانيين وخضعت لسلطة الباب العالي مباشرة. أقرّ السلطان سليمان، إياس باشا في نيابة دمشق عوضاً عن الغزالي، وفرهاد (فرحات) باشا في ولاية طرابلس. وألقى خاير بك نائب مصر القبض على المماليك الذين كانوا عند الغزالي وأمر بقتل بعضهم»((26)).
أما شمالاً، وبسبب الصراع على السلطان في كسروان وبيروت بين العسافيين أنفسهم، فقد «شهدت بيروت مقتل حسن وحسين من أبناء الأمير عساف على يد أخيهما الأمير قائد بيه 1522»((27)). وكان الشيخ حبيش، من موارنة يانوح، في جبّة المنيطرة، قد انتقل في أوائل العهد العثماني إلى كسروان واستقر في غزير، قاعدة آل عساف، ودخل أبناؤه وأحفاده في خدمة الأمراء العسافيين، فاستعان بهم الأمير منصور، الذي ولي الإمارة عام 1523م، في القضاء على مناوئيه من الشيعة وغيرهم، وهكذا عظم شأن آل حبيش حتى اصبحوا الأسرة الأولى، بعد الأمراء في المنطقة، حسب قول المؤرخ سليمان الصليبي. «وأصبحت لآل عساف عن طريق آل حبيش، صلة بالموارنة في بلاد طرابلس، فأخذ ملتزمو الحكم في طرابلس يلزمون المناطق المارونية للأمير منصور، موكلين إليه تدبيرها وجباية أموالها، ونجح منصور، بمساعدة آل حبيش، في ضبط المناطق الموكولة إليه. وامتد حكمه مع الزمن حتى شمل جميع بلاد طرابلس عدا المدينة، كما شمل مدينة بيروت، وكان الموارنة في جميع هذه الأنحاء يرون في الأمير العسافي صديقاً وحامياً لهم. وصارت لآل حبيش زعامة يعترف بها جميع أبناء الطائفة»((28)).

