النزعة الفردية نزعة عريقة في وجودها أمن بها الرومان وبعض من سبقهم في المجتمع القديم، وقد ظهرت هذه النزعة الفردية نتيجة لطغيان الحكام والسلطة المطلقة للطبقة الحاكمة وكرد فعل لها، وتهدف تحرير الفرد من هذا الظلم وحماية حقوقهم وكفالة تمتعهم بها، انتعشت فكرة الح
أنت هنا
قراءة كتاب حقوق الإنسان ومعاييرها الدولية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
2-3-4 حقوق الإنسان في القرون الوسطى
سادت المرحلة اليونانية نحو ألف سنة وانتهت بنهاية القرن الخامس الميلادي، وفي نهاية هذه المرحلة كان صوت المسيحية قد دوى في أرجاء أوربا فبدأ الفكر الإنساني شوطا جديدا امتد نحو ألف سنة أخرى كانت للفلسفة خلال هذه المرحلة وظيفة تتمثل في ان تؤيد بالدليل العقلي ما سلمت به النفوس بالإيمان تسليما لا يقبل الشك، فأصبحت الفلسفة تابعة للعقيدة والعقل عنوانا لها. ولقد انحصر الفكر الفلسفي بيد رجال الدين الكنسيين، اللذين يتميزون بالعلم والمعرفة وعظم سلطان الكنيسة، حيث طغت الكنيسة على سلطة الدولة لأنها كانت القوة الوحيدة التي تمكنت من مقاومة غزوات أمم الشمال المتبربرة التي قوضت الإمبراطورية الرومانية، كما استطاعت ان تحافظ على الحركة الفكرية التي أوشكت على الضياع([35]). وتقع فلسفة القرون الوسطى في عهدين، عهد اباء الكنيسة، والعهد المدرسي.
برزت في ذلك القرن اسماء كثيرة من اباء الكنيسة والمفكرين أمثال اوغسطين وساليري واوكام وبيكون وتوما الاكويني وغيرهم، ولكننا سنقصر الكلام على مفكرين مشهورين منهم وهما أوريليوس اوغسطين وهو من ابرز فلاسفة عهد اباء الكنيسة، وتوما الاكويني وهو من اعظم فلاسفة العهد المدرسي. حيث ارصد اوغسطين معظم حياته لنشر المسيحية والدفاع عنها وألف كتابه الشهير ( مدينة الله The City of God ) رد فيه حجج الوثنيين الذين حملوا المسيحية نتائج سقوط الإمبراطورية الرومانية. حيث انه خلط بين الدين والدولة، وقال يجب ان تكون الدولة مسيحية، أي ان تكون دولة وكنيسة في وقت واحد مادام الشكل النهائي للتنظيمات الاجتماعية دينيا.
واهم ما جاء به اوغسطين من أفكار جديدة، هو تصويره لفكرة مجموعة الأمم المسيحية وقد تصورها على انها ذروة تطور الإنسان من الناحية الخلقية والروحية، وسبب ذلك يعود إلى إيمانه بعجز الدولة عن إقامة العدالة ما لم تكن مسيحية، والادعاء بأن الدولة قادرة على ان تعطي كل ذي حق حقه غلط، إذا كانت الدولة نفسها لا تعطي الله حقه في العبادة([36]).
ويتضح لنا من ذلك، تطور سياسة الكنيسة، فبعد ان كانت في العهد الأول تفصل بين الدين والدولة فصلا تاما وتمنح كلا من السلطتين الدينية والدولة، سلطة مستقلة حسب المقولة المشهورة (اعط ما لقيصر لقيصر، ومالله لله) وهكذا خضعت سلطة الدولة للسلطة الدينية في هذه الفترة، فلا طاعة للقانون الوضعي إذا كان يخالف القانون الإلهي، الذي نقشه على قلوب الناس، والإنسان يجده ويدركه بواسطة عقله وهو يعلو على القانون الوضعي.
اما ما يخص أفكار القديس توما الاكويني حول الإنسان وحقوقه، فهو يرى، ان الإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، لأنه يحتاج الى أشياء كثيرة ضرورية لحفظ حياته يعجز وحده من توفيرها، ولهذا فأنه يحتاج الى تعاون الآخرين، لان الحياة في المجتمع تمكن الفرد من حياة طيبة كريمة بفضل الفرص التي تتاح له عن طريق التضامن الاجتماعي([37]).
والمجتمع عند الاكويني جسد أعضائه هو تتمثل في الأفراد، وكما ان لكل عضو من أعضاء الجسد وظيفة، فأن لكل فرد وظيفة في هذا المجتمع. وقسم المجتمع الى ثلاث طبقات وهم رجال الدين والأسياد والعوام، ويرى ان الفلسفة والدين ليسا نقيضين بل أنهما خطوتان تكمل أحداهما الأخرى في تحصيل المعرفة.
ويقول بهذا الصدد (لقد استقى الإنسان علمه عن العالم من مصدرين هما العقل والوحي. اما إنتاج العقل فقد بلغ الذروة في مؤلفات ارسطو، ثم جاء الكتاب المقدس بوحي من الله عن الموضوعات التي استقصت على عقول الناس، فحسب الإنسان ان يقرأ ما كتبه ارسطو وما هو مسطور في الكتب المقدسة ليعلم كل ما هو جدير بالمعرفة)([38]).
وفي مجال نظرية الدولة، يرى الاكويني ان الدولة نتيجة ضرورية لإشباع الحاجات البشرية النابعة عن طبيعة الإنسان الاجتماعية، ولهذا فأن مهمة الدولة هي تأمين الأمن والسكينة وتحقيق المصلحة العامة، وهو يعتبر الدولة في منزلة أدنى من منزلة الكنيسة وترتب على هذا انه يجب على الدولة ان تقدم العون والمساعدة للكنيسة وان تكون في خدمتها لتحقيق أهدافها العليا، وكل دولة تعارض الكنيسة وتناهض قراراتها، دولة غير شرعية يملك البابا حق إقالتها وإعفاء الرعية من الخضوع لأوامرها وسلطتها([39]).
وفي نطاق القانون، فأنه يميز بين أنواع ثلاثة من العقول تنبثق منها ثلاثة أنواع من القوانين، فهناك العقل المطلق وهو العقل الإلهي الذي يحكم العالم من خلال القانون الأزلي الخالد الأبدي، والعقل التأملي وهو عقل الإنسان حينما يتأمل فيستطيع أن يصل إلى قدر من القانون الإلهي، هذا القدر يسميه الاكويني القانون الطبيعي، ويأتي بعدهما العقل العملي، ومهمته تشريع القوانين الوضعية طبقا للقانون الطبيعي، أي وفقا لهذا القدر القابل للمعرفة من القانون الإلهي([40]).
وفي حالة مخالفة القانون الوضعي لقواعد القانون الطبيعي تكون الطاعة للقانون الوضعي واجبة حتى لو كان هذا القانون ظالما، أما إذا خالف القانون الإلهي فأنه لا يكون واجب الطاعة، فلا طاعة للقانون الوضعي إذا خالف القانون الإلهي.


