النزعة الفردية نزعة عريقة في وجودها أمن بها الرومان وبعض من سبقهم في المجتمع القديم، وقد ظهرت هذه النزعة الفردية نتيجة لطغيان الحكام والسلطة المطلقة للطبقة الحاكمة وكرد فعل لها، وتهدف تحرير الفرد من هذا الظلم وحماية حقوقهم وكفالة تمتعهم بها، انتعشت فكرة الح
أنت هنا
قراءة كتاب حقوق الإنسان ومعاييرها الدولية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
2-3-6 حقوق الإنسان لدى كروسيوس
بعد انهيار الكنيسة وقيام الملكيات المطلقة وإتباع تعاليم ميكافيلي اللاأخلاقية، أصبحت الحياة أكثر تعرضا للفوضى من أي وقت مضى، وأصبحت القوة الفيصل الحاسم في علاقات الدول فيما بينها، ولهذا اَمن كروسيوس بأن رفاهية البشر تقتضي معالجة شاملة ومنسقة للقواعد التي تنظم العلاقات بين الدول عارضا آراءه بهذا الصدد في مؤلفه (قانون الحرب والسلم) الذي أصدره سنة 1625([49]).
ذو فيما يتعلق بالقانون الطبيعي، فأنه يرى أن الطبيعة البشرية هي مصدر هذا القانون، التي تقتضي بأن يعيش الإنسان وفقا لغريزته الاجتماعية في المجتمع. الا ان العقل يمكن الإنسان من تحسين طبيعته، لذلك فأن كل ما يخالف العقل يخالف القانون الطبيعي في نفس الوقت، وكل ما يتمشى مع العقل، يتمشى مع القانون الطبيعي([50]).وبتعبير آخر فإن القانون الطبيعي عند كروسيوس، كما عند توماس الاكويني، يعلو على القانون الوضعي، وان القانون الوضعي يستمد صحته من القانون الطبيعي. الا ان كروسيوس يميز بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، وهو يرى بأن القانون الوضعي يستمد وجوده من إرادة الحكام في حين ان القانون الطبيعي يستمد وجوده من سلطان العقل([51]).
إلا أن مفهوم القانون الطبيعي عند كروسيوس يختلف عن مفهومه عند توماس الاكويني، فرغم ان كليهما ينطلق من العقل، الا انه عقل في خدمة الدين لدى الاكويني، في حين انه عقل في خدمة الإنسان وغريزته الاجتماعية لدى كروسيوس. وهذا يعني ان كروسيوس قد قطع الصلة بين القانون الطبيعي والدين([52]).وبتعبير آخر فإن القانون الطبيعي ليس كذلك لان الله أراده، بل لأنه بالذات القانون الطبيعي([53]).
ومما تقدم يتضح لنا، ان كروسيوس يؤيد وجود حقوق طبيعية لصيقة بالإنسان، وهي في وجودها تسبق وجود الدولة والقانون الوضعي، عليه فلا يجوز ان تتجاهلها القوانين الوضعية، لأنها حقوق طبيعية، ولهذا فأن مهمة القانون الوضعي هي ضمان التمتع بهذه الحقوق لكل الأفراد([54]).
ويرى كروسيوس ان الحياة الإنسانية كلها تؤلف مجتمعا واحدا لذلك يجب الرجوع إلى القانون الطبيعي الذي يعلو على القانون الوضعي لأي شعب من الشعوب وهذا القانون الطبيعي يقوم على فكرة الحق والعدل وهو ملزم لجميع الشعوب على حد سواء([55]).
وبناء على ذلك فأنه قد أقام العلاقات الناشئة بين الدول في حالة الحرب والسلم على أساس القانون الطبيعي، إذ جاء بفكرة القانون الدولي العام في معناه الحديث وبناه على اساس احترام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وتنظيم العلاقات بين الدول المتحاربة تنظيما قانونيا([56]).
ويرى أن الدول قد تخوض الحروب بسبب مصالحها المتضاربة إلا إن عليها الا تنسى وجود قدر مشترك من الإنسانية حتى بين الأعداء، وهذا القدر المشترك من الإنسانية لا يتصور التخلي عنه حتى في العلاقات مع الأعداء. ومن هذا فقد لجأ كروسيوس إلى تبرير الحرب العادلة دون غيرها([57]).
2-3-7 حقوق الإنسان عند مفكري مدرسة العقد الاجتماعي
إن فكرة القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية قد عاصرتها في القرنين السابع عشر والثامن عشر فكرة أخرى هي فكرة العقد الاجتماعي.
صاحب هذه الفكرة هو أفلاطون، وهو يرى ان المجتمع السياسي ينشأ على أساس نوعين من العقود، النوع الأول خاص بالعقود بين الأفراد وهو الذي ينظم الحياة الخاصة للأفراد، والنوع الثاني خاص بالعقود المبرمة بين الحاكم والمحكومين([58]).
وعن العقد الاجتماعي المبرم بين الحاكم والمحكومين، فبمقتضاه يتعهد الحكام بعدم فرض سلطتهم بأسلوب عنيف ويتعهد المحكومون بعدم تغيير نظام الحكم([59]).
وبعد أفلاطون بقرون عديدة عادة هذه الفكرة للظهور مرة أخرى على يد الكتاب المناوئين للمذهب الإلهي الذي تجد فيه مؤسسات نظام الحكم الملكي المطلق شرعيتها. إن هذه الفكرة قد تبناها، الكتاب المناوئون للمذهب الإلهي، الذي تجد فيه مؤسسات النظام الملكي المطلق (نظام الحكم المطلق) شرعيتها.
وهكذا فان فكرة العقد الاجتماعي قد طرحت كرد فعل ضد مذهب الحق الإلهي السائد في القرن الثامن عشر([60]).من هنا يمكن القول ان فكرة العقد الاجتماعي نشأت لتصدي الحكم المطلق، وذلك بإظهار القيمة التي يتمتع بها الفرد كطرف من العلاقة مع الحكام. فإذا كان الفرد غاية في ذاته وان المجتمع وجد ليساعد على تحقيق هذه الغاية، فقد قيل ان مثل هذا الفرد سيؤسس السلطة والمجتمع عن بواسطة إبرام العقد مع بقية الأفراد([61]).وفق هذا المنطلق ان الدولة والمجتمع سيكونان مدينين بوجودهما لتعاقد الأفراد. ففكرة العقد الاجتماعي أخذت معنى آخر يؤكد على سلطة واختيار الأفراد في تحديد مصيرهم السياسي والمدني بإرادتهم المتعاقدة([62]).
جدير بالذكر، ان أنصار فكرة العقد الاجتماعي رغم اتفاقهم على إن الأفراد يؤسسون الدولة بواسطة العقد الاجتماعي، لذا تعود لهم السلطة والسيادة، الا إنهم غير متفقين على مضمون هذا العقد الذي ابرمه الأفراد فيما بينهم لتأسيس هذه الدولة.
لذلك انقسموا إلى ثلاث طوائف يمثلون ثلاثة اتجاهات فكرية ضمن فكرة العقد الاجتماعي، يقودها كل من توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو. ونظرا لأهمية هذه الاتجاهات في فهم فكرة العقد الاجتماعي، فأننا سندرس هذه الاتجاهات الثلاثة وعلى النحو الآتي:


